Make your own free website on Tripod.com

الفصل الخامس

 

1  -تناقض

2  -الكفارة

3  -اخنوخ النبي

4  -نوح النبي

5  -بابل

 

 



1- تنـاقض

عرفنا في الفصول الاولى من هذا الكتاب، القليل عن ذات الله. وسنعرف المزيد عنه في الفصول الآتية.  وعلينا ان نتوقف الآن لكي نقارن بين صفتين من صفات الله، وطبيعة الورطة الجديدة التي وقع فيها الانسان.

  علينا ان نعرف القوانين الروحية التي تحكم العلاقة بين الله والانسان، كما عرفنا القوانين الفيزيائية التي تحكم الكون. وكما تساعدنا المعرفة بالفيزياء والكيمياء على فهم العالم المحيط بنا، فان معرفة القوانين الروحية تساعدنا في فهم طبيعة الحياة والموت. ان القوانين الروحية ليست صعبة الادراك. ولكننا بحاجة الى القاء نظرة أولى على وضع الانسان.

 

مشكلة الانسان

 كان الشخص المستدين قبل عدة قرون في بلدان الشرق الاوسط، يكتب عند الاستدانة شهادة رسمية، حتى لا ينسى الطرفان ذوي العلاقة المبلغ المدفوع. وكان الشخص الذي لا يتمكن من دفع الدين يعتبر مجرما، ويقع تحت طائلة العقوبة الكاملة للقانون. يعلمنا الكتاب المقدس بنفس الطريقة، وحسب المقاييس الروحية، ان الخطيئة دين، ويجب علينا ان نقوم بدفعه. اننا نواجه….

          ناموس الخطيئة والموت.     

                 الرسالة الى روما 8: 2

ويقول القانون:

        النفس التي تخطأ هي تموت. 

         حزقيال 18:  4

        ويبقى السؤال قائما: هل نقدر على دفع ذلك الدين؟ ان الجواب هو نعم، ولكن بشرط. بما ان الموت باق الى الابد، فلا يمكن اعتباره دفعة من الدين، لان عملية دفع الدين لم تتم ابدا. ولكي تتم، يجب ان نتحمل النتائج الكاملة للموت بكل معانيه. وبصراحة يشعر العديد من الناس بالتردد في دفع الدين.  والمشكلة هي انه يجب ان ندفع هذا الدين، ولهذا فاننا نواجه مأزقا.

 

وجهـان

يوجد لهذا المأزق وجهان كوجهي العملة المختلفين:

- اننا نملك شيئا لا نريده، وهو طبيعتنا الخاطئة. ونعاني بسبب خطيئتنا من الذنب والعار والالم والبعد عن الله والموت الثاني في النهاية.

- اننا نحتاج الى الكمال الذي نفتقده. نحتاج الى الوصول الى درجة من الخير تجعلنا مقبولين في حضرة الله.

وان السؤال المطروح علينا هو: كيف نتخلص من الخطيئة ؟ وكيف نحصل على بر يساوي بر الله، لكي يتم قبولنا في حضرته؟

توجد طريقة اخرى لطرح هذا السؤال. عندما خلق الله الانسان كان يخطط له حياة سعيدة، وعندما عصى الانسان الله تغير مصيره، فقد الطبيعة الطاهرة التي تجعله مقبولا عند الله. فكيف يمكن للانسان ان يسترجع ذلك الكمال الذي يسمح له ان يعيش بمرضاة مع الله؟

سوف نحتفظ بهذه الاسئلة حتى نكمل دراسة الكتاب المقدس.

 

وضع الله

لكي نفهم وضع الله، يجب علينا ان ننظر الى صفتين مختلفتين من صفاته الذاتية.

 

ا-ان الله عادل

  لقد رأينا ان الرب كامل بشكل مطلق وبدون خطيئة، ويعني ذلك ان الله امين ومنصف وعادل:

الصخر الكامل الصنيع الذي كل طرقه حكمة. الله حق لا وجود عنده هو العدل المستقيم.           

                        سفر تثنية الاشتراع 32: 4

 سنقول ان الله يقضي بالعدل، لأنه يعدل بين جميع الناس.  يطبق الله احكامه بالمساواة والعدل. يمكن للانسان على الارض ان يخفي الجريمة، وان يكذب حيالها، وان يرشي القاضي، ويمكن ببساطة ان يبقى حرا طليقا دون ان يقبض عليه. ولكن لا يستطيع مرتكب الخطيئة ان يفلت من يد الله. لن يهرب احد من عدالة الله.

لان الله سيحضر كل عمل ليدين على كل خفي خيرا كان او شرا.                                                   سفر الجامعة 12: 14

ان الامانة والعدل من العناصر الاساسية في طبيعة الله الكاملة.

ان الاستقامة والعدل هما اساسا عرشك

                                          مزمور 89: 14

        ولان الله كامل، فاننا نستطيع الاعتماد بأنه عادل بشكل مطلق. والجانب السلبي في ذلك، ان العدالة التامة تتطلب معاقبة الخطيئة بصورة يتساوى فيها العقاب مع الخطيئة. ويدل هذا على الجدية التي ينظر الله فيها الى الخطيئة، والعقوبة التي يخصصها لها. وكما رأينا سابقا، يقول الكتاب المقدس أنه يمكن دفع ثمن الخطيئة بالموت، بمعناه المكون من ثلاثة اجزاء كما شرحت سابقا. وهذه اخبار ليست جيدة، ولكن الجانب الآخر لشخصية الله  لحسن الحظ يأتي ليغير الصورة.

 

ب- محب بشكل تام

لا يتصف الله بالعدل فقط، وانما بالمحبة التامة ايضا. ان الله محب بطبيعته:

- اظهر الحب والعناية والاهتمام عندما خلق العالم .

- اظهر محبة كبيرة لا نستحقها. ويشار غالبا الى هذه المحبة باستعمال كلمات النعمة والرحمة واللطف والشفقة. ونحن لا نستحق لطف الله لاننا مذنبين، ولكن الله يحبنا محبة تامة رغم خطيئتنا، فهو كامل لا يستطيع احد ان يكون افضل منه في اظهار النعمة والرحمة.

 

تـناقض

نجد الآن تناقضا . فلكي يكون الله عادلا تماما، يجب ان يفرض علينا دفع ثمن الخطيئة -الدين-الموت. ولكن الله محب، ولا توجد لديه رغبة في تدميرنا. ان الصفتين السابقتين في شخصيته متساويتان، ليس الله اكثر محبة من كونه عادلا. ولكن، كيف يستطيع الله ان يكون عادلا ومحبا في نفس الوقت؟

        في البداية، يدين الله جميع الخطايا، سواء على الارض ام بعد الموت الجسدي. انه ثابت تماما في هذه النقطة. يجب علينا جميعا ان نموت.

  ونكون كالماء المراق على الارض الذي لا يجمع ايضا، والله لا يستأصل نفسا بل يفكر افكارا حتى يقطع عنه منفيه.

                                          سفر الملوك الثاني 14: 14

        ورغم ان الله يسمح بموت أجسادنا، فهو يزودنا بالمحبة باسلوب يمكننا من الهرب من الجوانب الابدية لعقوبة الموت، ويجعل الله في نفس الوقت العيش في حضرته ممكنا مرة ثانية. هذه هي الطريقة التي يحكم الله فيها على الخطيئة بدون ان يعاقبنا؟ سوف ندرس ذلك في الفصول القادمة.

 

الكبرياء

اود ان اقول شيئا اخيرا قبل ان نستمر. يقول الكتاب المقدس بأن الكبرياء هي الذي دفعت الشيطان الى التمرد. ونحن نعتبر الكبرياء غالبا شيئا مفيدا، ولكن الكتاب المقدس يقول أنها تمنعنا من ان نتقي الله وطلب المساعدة . نحن متكبرون جدا في الغالب، الى درجة تمنعنا من ان نتواضع ونقول بأننا نحتاج الرب.

  ان الله يقاوم المتكبرين ويؤتي المتواضعين نعمة

                                          الرسالة الاولى لبطرس 5: 5

 

2- الكـفّارة

كان اول ما قام به آدم وحواء بعد أكل الثمرة المحرمة، استعمال اوراق التين كلباس لهما. ورغم ذلك قال آدم للرب بأنه يشعر بأنه عريان مكشوف. والسبب في ذلك كما يقول لنا الكتاب المقدس ….

  لانه ليس كما ينظر الانسان، فان الانسان انما ينظر الى العينين.واما الرب فانه ينظر الى القلب.

                                          سفر الملوك الاول 16: 7

كان الله ينظر مباشرة الى محاولاتهما اليائسة لستر نفسيهما بالملابس. واستطاع ان يرى ما في داخل القلب. ويقول لنا الكتاب المقدس بأن الله رفض محاولات آدم وحواء لتغيير نفسيهما. لقد سترت اوراق التين عريهما، ولكن قلبيهما كانا ممتلئين بالخطيئة. اراد الله ان يعلمهما بأن الانسان لا يستطيع عمل أي شيء، من الخارج او الداخل لازالة الخطيئة. وهكذا رفض قبول ملابسهما المصنوعة من اوراق التين.

 

غـطاء

      كان الله بامكانه ان يزودهما بالملابس المقبولة، فقد اخذ بعض الحيوانات وقتلها ثم:

  صنع الرب الاله لآدم وامرأته اقمصة من جلد وكساهما.

                                  سفر التكوين 3: 21

وكان هذا توضيحا مصورا لحقيقة ان الخطيئة تجلب الموت. لم يعرف آدم وحواء الموت من قبل. وكانت تجربة الموت هذه تجربة مؤلمة - ان يشاهدا الدم ينسكب على الارض، ويخرج شهيق الحياة، ويغيب اللمعان من عين الحيوان ويموت. ومهما كانت الحالة، فقد جعل الله حقيقة الموت المرعبة مفهومة لهما في الحال. مات الحيوان من اجل ان يلبسا الثياب.

 

مطرود

          بقي الانسان يعيش في الجنة، رغم الخطأ الذي ارتكبه، وكان بامكانه الوصول الى شجرة الحياة. كان الأكل من هذه الشجرة يعني الحياة الخالدة. وهكذا ابعد الله الانسان عن الجنة.

        وقال الرب الاله: لقد اصبح الانسان الآن مثل واحد منا يعرف الخير والشر. يجب ان لا يسمح له بأن يمد يده ويأخذ ايضا من شجرة الحياة ويأكل ويعيش الى الابد.

        فاخرجه الرب الاله من جنة عدن ليحرث الارض التي اخذ منها. فطرد آدم واقام شرقي جنة عدن الكروبين وبريق سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.

                                                سفر التكوين 3: 22-24

 * بما ان الكتاب المقدس يذكر بوضوح "نحن"، فانه من المنطقي ان نسأل انفسنا - الى من يتكلم الله عندما يقول: "…لقد صار الانسان مثل واحد منا؟" ستتم الاجابة على هذا السؤال في الصفحات التالية من خلال الكتاب المقدس.

 

كان هذا العمل رحمة بالانسان. لا يريد الله منه ان يعيش رهينة وخاطئا الى الابد. هل يمكن ان تتخيل كيف سيكون العالم لو بقي كل الرجال والنساء الاشرار عبر العصور على قيد الحياة حتى اليوم ؟ وبعد ان وضع الله الانسان خارج الجنة، فقد سمح لنتائج الخطيئة ان تأخذ ضريبتها النهائية أي الموت الجسدي. ولكن الله كان يفكر فيما وراء القبر. كان يفكر في خطة لانقاذ الانسان من الموت الثاني، وبطريقة للهروب من بحيرة النار.

 

قابيل وهابيل ( انظر الخط الزمني ، الصفحات 212-215)

وعرف آدم حواء امرأته فحملت وولدت قابيل فقالت قد رزقت رجلا من عند الرب . ثم عادت فولدت اخاه هابيل. 

                                  سفر التكوين 4: 1، 2

ولد قابيل وهابيل خارج الجنة نتيجة لاتحاد بين آدم وحواء، وكان حالهما يشبه حال آدم، في حالة انفصال عن الله. ليكون الله عادلا، يجب ان ينطبق قانونه عليهما. وكان من المفروض ان يموت قابيل وهابيل ايضا بسبب الخطيئة. ولكن حب الله ورحمته وفرت لهما وسيلة للهرب من الادانة. وكان لتلك الوسيلة جانبان:

الاول داخلي: ايمان بالله

كان على قابيل وهابيل ان يثقا بالله، وأن يؤمنا بصدق قوله. لقد وعد الله آدم وحواء بأن المخلص سوف يسحق رأس الشيطان وينقذهما من نتائج الخطيئة. فهل كان ذلك ممكنا ؟ وهل كان ذلك صحيحا ؟ هل كان الله حقا يقصد ذلك ؟ كان على قابيل وهابيل ان يقررا بأنفسهما. الايمان بالله ام عدم الايمان به.

الثاني خارجي: وسيلة مرئية

     اراد الله ايضا ان يظهر لهما ما هو المطلوب لازالة الخطيئة، وتعلق الامر بوسيلة مرئية واضحة.

 ان دراسة عميقة للكتاب المقدس تجعلنا ندرك بأن الله قد طلب من قابيل وهابيل ان يأخذا حيوانا ويقتلاه ويدعا دمه يسيل على مذبح. لماذا كان ذلك؟ ما السبب الذي يجعل الله يعطي مثل هذه التعليمات الصريحة والواضحة ؟ يقول الكتاب المقدس….

  ولا مغفرة الابسفك الدم.

                          الرسالة الى العبرانيين 9: 22

 كان الله يقول بأن خطيئة الانسان، يمكن دفعها او غفرانها اذا كان هناك موت فقط. ولكن لماذا الدم؟

  لان حياة المخلوق هي في الدم، وانا اعطيتها لكم لكي تعملوا كفارة عن انفسكم على المذبح، ان الدم هو الذي يعمل الكفارة عن حياة المرء.

                                          سفر اللاويين 17: 11

ان لمفهوم ذبيحة الدم جانبان:

البديل: يموت الانسان عادة بسبب الخطيئة، ولكن الله وبناء على احداث مستقبلية معينة، سيقبل موت الحيوان البريء بديلا لموت الانسان. كان تلك حياة مقابل حياة، البريء يموت بدلا من المذنب. وكانت الذبيحة تمثل قانون الخطيئة والموت والخضوع له، وتمثل العدالة الكاملة. ولكن هل يمكن قتل الضحية بدون سفك الدم! ربما بالغرق؟

الكفّارة:  قال الله بأن الدم سيكون كفارة عن الخطيئة. وتعني كلمة كفارة "غطاء". ان الدم المسفوك يغطي خطيئة الانسان، وعندما ينظر الله الى الانسان فانه لن يرى الخطيئة بعد ذلك. سينظر الله الى الانسان على أنه مستقيم ومقبول من الله. وسيتم استعادة العلاقة المنتهية. سيموت الانسان جسديا ولن تطبق النتائج الابدية (أي الانفصال عن الله للابد في بحيرة النار).

ويجد الانسان مغفرة للخطيئة وعلاقة جديدة مع الله، من خلال الايمان به ومن خلال الموت البديل ودم الكفارة على المذبح.

 

الكفّارة – غطاء للخطيئة

تحمل كلمة الكفّارة معها فكرة ان طبيعة الله القدوس والعادل راضية. يفرض الله الموت عقوبة للخطيئة. وعندما يرى الله موت الحيوان البريء يقبل ذلك كوسيلة لاتمام متطلباته القانونية.

        ان التضحية بالحيوان على المذبح لا تزيل الخطيئة، فالانسان يبقى خاطئا. ولكنها تمثل وسيلة ضرورية لمغفرة الخطيئة . يجب ان يكون هناك موت وسفك للدم.

        وبما ان كلمة الكفّارة تعني "غطاء" فقد تم تصوير مفهوم الكفارة بالطريقة التي تم فيها تغطية آدم وحواء بملابس مقبولة. ومثلما غطى الله آدم وحواء بملابس مقبولة لديه، فقد غطّى الدم خطيئة الانسان وجعله مقبولا لدى الله. ويمكننا ان نقول بأن الله قد تغاضى مؤقتا عن خطيئة الانسان، كما لو كانت قد محيت. وقبل الله الانسان لكونه بلا خطيئة. وسنعود الآن الى قصة قابيل وهابيل لنرى ما حدث، وهذه القوانين واضحة في اذهاننا.

 
تضحيتان

  وكان هابيل راعي غنم وقابيل يزرع  الارض. وكان بعد ايام ان قابيل قدم من ثمر الارض تقدمة للرب. وقدم هابيل ايضا شيئا من ابكار غنمه ومن سمانها.

سفر التكوين4: 2-4

        قدم كل من قابيل وهابيل التضحيات حسبما طلب منهما الرب. اراد الله منهما ان يظهرا بالفعل أنهما يثقان بكلمته، ويؤمنان أنها صادقة. ورغم انهما قد  احضرا التضحيات، فقد ظهرت هناك مشكلة وكان هنالك اختلاف.

احضر هابيل حيوانا ليسفك دمه. وذلك شيء حسن- كان هذا ما طلبه الله. واحضر قابيل تضحية من ثمار بستانه. ولكن الخضروات لا يسفك لها دم. كان قابيل يقدم تضحية، ولكنها لم تكن التضحية المطلوبة(1). جاء بنموذج يشبه اوراق التين التي استعان بها آدم وحواء.

 

 

 

رفـض

فنظر الرب الى هابيل وتقدمته والى قابيل وتقدمته لم ينظر

                                          سفر التكوين 4: 4-5

         رفض الله تقدمة قابيل لأنه اخطأ في ناحيتي: فقد اظهرت اعماله بأنه لا يثق بالله في الحقيقة، كما اظهرت ايضا انه اراد ان يعمل الاشياء بطريقته. ان الله لا يقبل طرقا اخرى للتصالح معه. يمكن ان تكون لدى الانسان افضل النوايا، ولكن الاخلاص ليس كافيا - ولا يجسّر الهوة.

        ننظر غالبا الى الافكار المستقلة على انها شيء حسن، وانها تمثل جدارة في التفكير والعمل. ولكننا يجب ان نكون حريصين. فالروح المستقلة تفضل الاعتماد على نفسها، واذا سادت العقلية الذاتية والانانية على العلاقات بين الناس، وتقدير الصواب من الخطأ، وغير ذلك من احكام، وغيره – عندئذ يمكن ان تصبح الامور سيئة جدا.

        كان قابيل يعمل بطريقته الخاصة. فقد انضم الى آدم وحواء متجاهلا تعليمات الله. شعر بأنه يعرف الصواب بصورة افضل من الله.

 

قبـول

ومن جهة اخرى، قدم هابيل التضحية التي امر الله بها -حيوان برئ يموت ويسفك دمه. واستحق هابيل ان يموت بسب خطيئته هو، ولكن رحمة الله سمحت بأن يموت الحيوان بديلا عنه. وعندما وضع هابيل تقدمته امام الرب، كان يؤمن بأن الله سيفي بكلمته - ويرسل مخلصا ينقذه من عقوبة الخطيئة المخيفة. ولا شك ان هابيل كان يجهل الطريقة التي سيقوم بها المخلص بتنفيذ دوره ، ولكنه كان يثق بالله فيما يتعلق بالخلاص من الخطيئة.

 

  بالايمان قرب هابيل الله تقدمة افضل من تقدمة قابيل وبه شهد له انه بار اذ شهد الله لتقادمه.  

        الرسالة الى العبرانيين 11: 4

        وعندما تقرب هابيل بصدق الى الله، نالت تقدمته القبول كغطاء وتكفير عن الخطيئة. وعندما نظر الله اليه لم ير خطيئة. وهذا يعني ان الله قد تغاضى عنها، واصبح في عيني الله بارا وكاملا، ويستطيع الآن قبوله في حضرته.

 

لطـف الله

  ولم يكن قابيل سعيدا مع الله

فشق على قابيل جدا وسقط وجهه. فقال الرب لقابيل:

لم شق عليك، ولم سقط وجهك.  الا انك ان احسنت تنال، وان لم تحسن فعند الباب خطيئة رابضة، واليك انقياد اشواقها، وانت تسود عليها.

                                          سفر التكوين 4: 5-7

حاول الله بلطف ان يشرح لقابيل انه يواجه العديد من المشاكل، وأن طبيعته الخاطئة سوف تدمره. وأشار اليه ان يتصرف مثل هابيل لكي يتم قبوله. ولم يتوفر لدينا اي دليل يشير الى ان قابيل قد استجاب لطلب الله. كان قابيل يشعر بالغضب.

 

اسئلة، اسئلة

        وقال قابيل لاخيه هابيل لنخرج الى الصحراء. فلما كانا في الصحراء وثب قابيل على هابيل اخيه فقتله. فقال الرب لقابيل . اين هابيل اخوك؟

                                          سفر التكوين 4: 8، 9

        ومثلما سأل الله آدم وحواء، فاننا نرى الرب الآن يسأل قابيل اسئلة. لم يكن الله بحاجة الى ان يسأله عما حدث. فهو يعرف كل شيء، ويعرف تماما ما حدث. ولكنه كان يعطي قابيل فرصة للاقرار بخطيئته. ولكن كلمات قابيل مثل كلمات آدم وحواء اظهرت ما كان في قلبه:

قابيل: قال لا اعلم العلي حارس لاخي

الله: ماذا صنعت؟ ان صوت دماء اخيك صارخ الي من الارض.

 سفر التكوين 4: 9، 10

لا نستطيع اخفاء الخطيئة. فلقد ارتكب قابيل جريمة قتل اخيه، ثم حاول التهرب من الاعتراف بها. اشار الله باصبع الاتهام اليه - انت فعلتها! ولا يوجد ما يشير الى أنه قد عبر عن ندمه عما قام به. كان بوسع الله ان يدمره، ولكن رحمته جعلته ينتقل الى منطقة اخرى. لقد بدأ الجنس البشري بداية مؤسفة.

 

شيت

( انظر الخط الزمن في الصفحات 212-215)

  وعرف آدم امرأته ايضا،  فولدت ابنا وسمته شيتا. وقالت قد اقام الله نسلا آخر بدل هابيل اذ قتله قابيل. ولشيت ايضا ولد ابن وسماه انوش. حينئذ ابتدئ بالدعاء باسم الرب.            

        سفر التكوين 4: 25، 26

        ورغم ان شيت قد ولد خاطئا بطبيعته، فقد آمن بالله مثل هابيل. ومن خلال شيت واحفاده سوف يرسل الله المخلص، لان الله يحافظ على وعده.

 

المـوت

حان الوقت الآن لنترك آدم. يقول الكتاب المقدس أن آدم عاش فترة طويلة جدا، وان عائلته كانت كبيرة. ويقترح بعض الدارسين أن تأثير "البيت الزجاجي" في الخليقة الاصلية يمكن ان يكون قد عزل الانسان عن الاشعة الكونية المؤذية، مما سمح بوجود اشخاص عاشوا لفترة طويلة جدا كما ذكر في التاريخ القديم. ولاحظ آخرون بان تراكم الطفرات الهدمية كان في بداياته، مما سمح بفترات العمر الطويلة. ورغم امكانية صحة هذه النظرية، يعتقد العلماء بشكل متزايد أن طول حياة الانسان هو نتيجة للحد المقرر جينيا. ويمكن ان يكون ذلك الحد الجيني في الماضي قد حدد بشكل اعلى بكثير من الحد الذي نعرفه اليوم. وسنرى لاحقا السبب الذي يمكن ان يكون قد ادى الى هذا التغيير. ومهما كان السبب فان الكتاب المقدس يقول بأن كلمة الله صدقت اخيرا بالنسبة لآدم.

  وعاش آدم بعدما ولد شيتا ثماني مئة سنة، ولد فيها بنين وبنات. فكانت كل ايام آدم التي عاشها تسع مئة سنة وثلاثين سنة ومات.

                                          سفر التكوين 5: 4، 5

 

بمن تزوج شيت وقابيل؟

  يقول الكتاب المقدس بأن لآدم وحواء ابناء وبنات آخرين. ومن المفهوم ضمنيا في هذه المرحلة من التاريخ، أن الاخوة والاخوات قد تزوجوا من بعضهم البعض.  ونظرا لعدم وجود الوقت الكافي في تلك الفترة لظهور عدد هام من جينات الطفرة في المجموعة الجينية التي اشترك بها الاولاد، لم تظهر نتائج ضارة عن هذا النوع من التزاوج الداخلي. ونعرف ان هذا النوع من الزواج كان ممنوعا في الفترات اللاحقة من التاريخ.

 

ماذا حصل لهابيل بعد موته ؟

          رغم ان الكتاب المقدس لا يذكر صراحة اين ذهبت روح هابيل بعد موته، الا اننا نعرف من خلال النصوص المقدسة الاخرى، أن الموتى كانوا يذهبون الى مكان يسمى الفردوس، وهو مكان اعده الله للمؤمنين من الرجال والنساء. ويميز بعض الدارسين بين الفردوس والسماء في هذه الفترة من التاريخ، ولكنهم يتفقون جميعا بأن المكانين مندمجان.

          لايخبرنا الكتاب المقدس الكثير عن السماء، لانه يصعب على عقولنا الفانية التي يكتنفها الضباب فهم ذلك. ولجأ احد الانبياء الذين كان لديهم بصيص من النور الى الصورة الكلامية لتوضح افكاره في وصف هذا المكان. وعندما تنظر الى العالم الذي خلقه الله في ستة ايام، تشعر بالذهول لما يمكن ان يفعله الله بدهور. ويقول الكتاب المقدس أن السماء مكان حقيقي، يعيش فيه أناس حقيقيون، ويشبه جنة عدن، ولكن بصورة افضل، اذ ستختفي الطبيعة الخاطئة من الانسان

    لا يدخلها شيء نجس ولا فاعل الرجس، والكذب الا الذين كتبوا في سفر الحياة      .           

        سفر الرؤيا 21: 27

        سيكون للانسان بر ويكون مقبولا تماما عند الله. وكتب النبي داود يقول وهو يفكر برؤية الرب…

          بالاستقامة سوف ارى وجهك… ساقنع برؤية شبهك.

                                                  مزمور 17: 1

وسوف تعود العلاقة الفريدة  بين الانسان والله

هوذا مسكن الله مع الناس وسيسكن معهم ويكونون له شعبا والله نفسه يكون منهم الها لهم.           

        سفر الرؤيا 21: 3

وسيكون كل شيء في الحياة كاملا.

ويمسح الله كل دمعة من عيونهم ولا يكون بعد موت ولا نوح ولا صراخ ولا وجع لان ما كان سابقا قد مضى . وقال الجالس على العرش ها اني اجعل كل شيء جديدا.

        سفر الرؤيا 21: 4، 5

     لن تكون هناك جنازات ولا علاقات مقطوعة ولا قبور او وداع كسير القلب، ولا مستشفيات او تشرد، ولا اجسام مكسحة او صحة معتلة، ولا عكازات او عصي. وبدلا من ذلك، ستكون السماء مكانا للفرح والسرور الذي لا ينتهي.

          سوف تملئني بالفرح في حضورك بالمسرات الابدية عى يمينك.

                                                  المزمور 16: 11

        سوف لا تكون اجسامنا محدودة بالزمان او المكان، سنتحرك بسرعة ونتعرف على الناس الذين عرفناهم او سمعنا عنهم على الارض. ويتم تصوير السماء كمدينة كبيرة تسمى اورشليم الجديدة.

واراني المدينة المقدسة اورشليم نازلة من السماء من عندالله،  ولها مجد الله ونيرها يشبه اكرم حجر كحجر يشب صاف كالبلور. ولها سور عظيم عال واثنا عشر بابا وعلى الابواب اثنا عشر ملاكا…

                                    سفر الرؤيا 21: 10-12

  وابوابها لا تغلق نهارا لانه لا يكون ليل

                                          سفر الرؤيا 22: 25

   وسوق المدينة من ذهب، نقي كزجاج شفاف

                                          سفر الرؤيا 21: 21

وأراني نهر ماء الحياة ، صافيا كالبلور خارجا من عرش الله والحمل                                                        سفر الرؤيا 22: 1

لن تكون هذه المدينة مثل اية مدينة عرفناها، لا تلوث، لا صدأ، لا فساد، لا لصوص، لا جريمة … كاملة التفاصيل. وسوف يعيش جميع سكان السماء للأبد.

 

ولا يكون هنالك ليل، ولا يحتاجون الى سراج ولا الى نور الشمس، لان الرب الاله ينير عليهم، ويملكون الى دهر الدهور.         

سفر الرؤيا 22: 5

سوف اسكن في بيت الرب الى الابد

                    المزمور 23: 6

        ربما نستطيع ان ننهي هذا القسم بالآية التالية التي رغم انها ليست محدودة بالممالك السماوية، فانها تحمل بالتأكيد فكرة عما يخبئه الله.

    لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب احد ما اعد الله لهؤلاء الذين يحبونه.    

        الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس 2: 9

 

3- اخنـوخ النبي

 يقول الكتاب المقدس الشيء القليل عن الاجيال التي تلت مولد شيت. وكان احد المذكورين بايجاز هو اخنوخ، وهو رجل يخاف الله ويؤمن بأن الرب وحده يمكن ان يخلصه من الخطيئة. وكل ما كتب عنه هو ان…

          وسلك اخنوخ مع الله ولم يوجد بعد لان الله اخذه

                                          سفر التكوين 5: 24

انظر الخط الزمني لشجرة عائلة  آدم -حواء

قابيل- هابيل-سيث

شيت-انوش-كنيان-    ماحالاليل-جارد-اخنوخ-ميتوشال- لاميش-نوح

يافت-حام-سام

 ويقول الكتاب المقدس بأن اخنوخ كان رجلا مؤمنا، فأخذه الله مباشرة الى السماء دون ان يموت. وحدث هذا مرة واحدة في مكان آخر من الكتاب المقدس. وسوف نعرف فيما بعد، المزيد عن الايمان، ولماذا يعد عنصرا اساسيا من اجل القبول عند الله.

  بالايمان نقل اخنوخ لئلا يرى الموت ولم يوجد بعد لان الله نقله، لانه من قبل نقله شهد له بأنه ارضى الله. وبغير ايمان لا يستطيع احد ان يرضي الله لان الذي يدنو الى الله يجب عليه ان يؤمن بأنه كائن وانه يثيب الذين يبتغونه.

                                          الرسالة الى العبرانيين 11: 5، 6

  وتلخص الجملة الاخيرة الامر بوضوح. من اجل ان يقبلنا الله، يجب علينا ان نؤمن بأنه موجود، وسيقوم هو بفتح الطريق من اجل العودة اليه.

 

4- نوح النبي

        ينظر كثير من الناس الى كلمة الله بأنها سلسلة مستمرة من المعجزات المذهلة. ولكن هذه المعجزات كانت غالبا هي الاستثناء. فقد مرت قرون عديدة قبل ان يحدث شيء يهز الكرة الارضية. وفي هذه المرحلة من قصتنا، يسجل الكتاب المقدس مرور ما لا يقل عن عشرة اجيال، قبل ان يتم الكشف عن الحدث الكبير الآتي في تاريخ العالم. ويمثل كل واحد من هذه الاجيال دورة حياة طويلة، زاد خلالها سكان العالم بشكل مذهل.

      مضت مئات عديدة من السنين، لم ينس الله فيها التزامه بارسال المخلص الموعود. وكان هناك اولئك الذين آمنوا بالله في كل جيل من هذه الاجيال. ورغم  ان عدد سكان العالم كان يزداد بصورة متضاعفة، فان عدد الذين آمنوا بالله لم يزداد بنفس المعدل. ويشير الكتاب المقدس الى أن الجميع ما عدا قلة، قد اداروا ظهورهم لله.

 

العنـف

لم ترفض البشرية الله فقط، وانما اصرت على اتباع الشيطان بكل العنفوان الذي استطاع الانسان ان يمتلكه. ويقول الكتاب المقدس:

        ورأى الرب ان شر الناس قد كثر على الارض، وان كل تصور افكار قلوبهم انما هو شر في جميع الايام.

  وفسدت الارض امام الله وملئت جورا، ورأى الله الارض فاذا هي قد فسدت لان كل جسد قد افسد طريقه عليها.

                                  سفر التكوين 6: 5، 11-12

 اذا فكرت ببعض شعوب العالم، وخاصة تلك التي تملأ اخبارها الليلة شاشة التلفاز، بتقارير عن الفوضى والحرب والعنف والاغتصاب، يمكن ان تتكون لديك فكرة عما كان الامر عليه. يقول الكتاب المقدس بأن افكار الانسان كانت مشغولة بالشر دائما، وانتشرت الفوضى والفساد، واصبح العالم مكانا للموت بدلا من الحياة.

 

الحـياة الفردية

 يعلن الكتاب المقدس اضافة الى ذلك، أن مجتمع ذلك العصر، كان يعتمد على الحياة الفردية(2)، ولم يعد ما يقوله الله هاما. احتقر الانسان كلام الله، ووضع لنفسه  فلسفة للحياة، استثنت اية رغبة للبحث عنه. ولم يحاول الانسان جسر هذه الهوة.

 ورغم ان البر كان بعيدا عن عقل الانسان، الا ان الخطيئة كانت شيئا مختلفا بالنسبة له:

 فانهم لما عرفوا الله لم يمجدوه ولم يشكروه لحاله، بل سفهوه في افكارهم، واظلمت قلوبهم الغبية. وقد زعموا انهم حكماء فصاروا حمقى. واستبدلوا مجد الله الذي لا يدركه الفساد،  يشبه صورة انسان ذي فساد وطيور وذوات اربع وزحافات. فلذلك اسلمهم الله في شهوات قلوبهم الى النجاسة لفضيحة اجسادهم في ذواتهم. الذين ابدلوا حق الله بالباطل، واتقوا المخلوق وعبدوه دون الخالق الذي هو مبارك مدى الدهور. آمين. لذلك اسلمهم الله الى اهواء الفضيحة . فان اناثهم غيرن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكران ايضا تركوا استعمال الانثى الطبيعي والتهبوا بعشق بعضهم بعضا ففعل الذكران بالذكران الفحشاء ونالوا في انفسهم الجزاء اللائق بضلالهم. وبما انهم لم يؤثروا ان يستمروا على معرفة الله، اسلمهم الله الى رأي مرذول حتى يعملوا ما لا يليق . ممتلئين من كل اثم وشر وزنى وبخل وخبث مفعمين حسدا وقتلا وخصاما ومكرا واساءة، نمامين مغتابين ممقوتين من الله شتامين متكبرين مفتخرين مخترعين شرورا، عاقين للوالدين. لا فهم لهم لا نظام ولا ود ولا عهد ولا رحمة. وهم مع معرفتهم قضاء الله لم يفهموا ان الذين يغفلون مثل هذه الافعال يستوجبون الموت وليس الذين يعملونها فقط بل ايضا الذين يرضون عن فاعليها (3).

                                  الرسالة الى اهل روما 1: 21: 32

 ويقول الكتاب المقدس ان الانسان في هذه الفترة من التاريخ، باع نفسه الى الخطيئة. ولكن كما رأينا سابقا، كان للخطيئة دائما نتائجها. وكما ان مخالفة قانون الجاذبية، تؤدي الى المخاطر والجروح والألم، فان تجاهل كلمة الله له نتائجه.  لا يستطيع الله ان يتغاضى عن الخطيئة. ويقول الكتاب المقدس بأن الله أسف على كل شيء .

  وقال الرب: امحو الانسان الذي خلقت عن وجه الارض…

 سفر التكوين 6: 7

ربما استثنى الانسان الله من فلسفتة في الحياة، ولكن الله لا يزال يجعل الانسان مسؤولا عن تصرفاته.

 

نـوح   ( انظر الخط الزمني ، الصفحات 212-215)

ويقول الكتاب المقدس ان رجلا واحدا وعائلته كانوا مختلفين.

اما نوح فنال حظوة في عيني الرب … كان نوح رجلا بارا كاملا في اجياله وسلك نوح مع الله.               

                سفر التكوين 6: 8-10

ورغم ان نوح كان رجلا طيب المسلك، الا ان كلمة الله تظهر أنه كان ما يزال خاطئا. وحسب قانون الخطيئة والموت، كان على نوح ان يموت بسبب تلك الخطيئة. ويوضح الكتاب المقدس ايضا بأن نوح قد تقرب بحيوان الى الله، كدليل على أنه ادرك الحاجة لبديل بريء يدفع عنه عقوبة الموت. وآمن نوح بأن الله بطريقة ما سوف يخلصه من نتائج الخطيئة. ويقول الكتاب المقدس،  ان الله نظر الى نوح على انه بار، لانه آمن بالله، وكانت علاقته مع الله صحيحة كما يبدو من هذه الكلمات "… وسلك مع الله".

  فقال الله لنوح قد دنا اجل كل بشر بين يدي، فقد امتلأت الارض من ايديهم جورا فهاءنذا مهلكهم مع الارض. اصنع لك تابوتا من خشب قطراني واجعله مساكن واطله من داخل ومن خارج بالقار.   

                                   سفر التكوين 6: 13،14

طريـقة الهرب

        امر الله نوح بأن يبني فلكا. لم يكن هذا قاربا صغيرا يسير بالمجذاف، بل كان سفينة كبيرة شبيهة بالسفن الحديثة العابرة للمحيط. كانت تتألف من عدة طوابق، ولها نظام للتهوية في داخلها، ويوجد لها باب واحد فقط. وبنيت السفينة من الخشب المطلي بطبقة من قار الشجر، وهي وسيلة مألوفة، اتبعت في القرون الماضية لمنع تسرب الماء الى السفينة(4). وكان هذا الفلك اضخم سفينة بنيت حتى عام 1844، حيث بنيت سفينة "بريطانيا العظمى" بنفس الحجم تقريبا في هذا التاريخ. ولا يزال حجم ذلك الفلك نموذجيا حتى اليوم لبناء قارب ضخم ثابت. لم يجر بنائها لكي تسير بسرعة كبيرة، وانما من اجل المحافظة على حياة الساكنين فيها فقط. قال الله لنوح:

وهاءنذا آت بطوفان مياه على الارض، لاهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء وكل ما في الارض يهلك. واقيم عهدي معك فتدخل التابوت انت وبنوك وامرأتك ونسوة بنيك معك. ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل التابوت لتحيا معك. ذكرا وانثى تكون. من الطير باصنافها ومن البهائم بأصنافها ومن جميع دبابات الارض باصنافها. يدخل اليك اثنان من كل لتحيا. وانت فخذ لك من كل طعام يؤكل وضمه اليك فيكون لك ولهم مأكلا. فعمل نوح بحسب كل ما امره الله به هكذا فعل.

                                          سفر التكوين  6: 17-22

 

الطاعـة

كان نوح يؤمن بالله ويطيعه. ولم تجعل تعليمات الله الامر سهلا لنوح، فهو لم يبن قاربا من قبل، وبالتأكيد ليس بهذا الحجم. كيف يمكن ان تشرح فكرة طوفان يغمر العالم للذين يحيطون بك؟

  قال الله ان 120 سنة سوف تمضي قبل ان يحدث الطوفان(5). ولم يشرف نوح اثناء هذا الوقت على بناء القارب فحسب، وانما حذر ايضا جميع الذين سمعوه بأن حكم الله كان آتيا(6).

يخبرنا الكتاب المقدس بأن الناس قبل الطوفان كانوا يعمرون مئات السنين. وتوجد نظريات مختلفة تشرح سبب ذلك، ولكن الكتاب المقدس لا يذكر ايا منها. ان الامر مذكور كحقيقة بكل بساطة. واذا اخذنا بالاعتبار الزمن الطويل الذي عاشه الناس، فان مدة 120 سنة لبناء الفلك، كانت ضمن فترة العمر العادية تماما. واصبحت الحياة بعد الطوفان قصيرة بشكل كبير، بحيث ان رجلا يبلغ من العمر 90 عاما كان يعتبر كبير السن.

        ظهرت العديد من الكتب الرائعة عن الطوفان، وتأثيره على مناخ العالم وجغرافيته. وتحتوي هذه الكتب على نظريات هامة، قامت بناء على قصة الكتاب المقدس والملاحظات العلمية. ونظرا لوجود مثل هذه المصادر المفصلة، لن اكرر ما ورد فيها. ولكني سأحاول في الصفحات القليلة القادمة، ان اشير بايجاز الى بعض هذه النظريات، على امل ان تساعدنا في فهم الكتاب المقدس والتقدم في دراسته.

        قال الله لنوح: ادخل التابوت انت وجميع اهلك فاني اياك رأيت بارا امامي في هذا الجيل.

  فعمل نوح بحسب كل ما امره الرب به.

في ذلك اليوم نفسه دخل نوح التابوت هو وسام وحام ويافث بنوه وامرأة نوح وثلاث نسوة بنيه معهم. هم وجميع الوحوش باصنافها. وجميع البهائم باصنافها وجميع الدبابات الدابة على الارض باصنافها وجميع الطير باصنافها من كل طائر وكل ذي جناح. ودخلت التابوت الى نوح اثنين اثنين من كل ذي جسد فيه حياة. والداخلون دخلوا ذكورا واناثا من كل ذي جسد كما امره الله واغلق الرب عليه.

                                          سفر التكوين 7:  13-16

 

بـاب واحد

استغرق تحميل الفلك سبعة ايام. وحمل نوح باستثناءات قليلة زوجا واحدا فقط من كل صنف. واذا اخذنا في الحسبان الاصناف المنقرضة، فقد كان في السفينة مكان كاف لها جميعا، وشغلت ما مقداره 60% فقط من حجم السفينة (7). وربما كان المكان الباقي مخصصا للطعام. وكان اختيار الحيوانات الصغيرة قد وفر في المكان ايضا. ودخلت بعض الحيوانات في سبات شتوي، مما ساعد في توفير الطعام . وبالطبع كان الله قادرا على اطعامها بأية طريقة يختارها.

وبعد ان تم تحميل الفلك، اغلق الله عليهم باب السفينة. وبدأ الطوفان وابتدأت المياه في الارتفاع. لم تدفع المياه التي تضرب الفلك نوحا لكي يفتح كوة الفلك، ولم يخف هو وعائلته أن يمزق هذا الطوفان الشديد الباب. كانوا في أمان تام، لان الله اغلق

 

الباب الوحيد للنجاة على هؤلاء الذين آمنوا، وابقى المتمردين في الخارج.

        ان الله رحيم. فقد اعطى البشرية 120 عاما لتعود عن طرقها الشريرة، وتستفيد من رحمته. ولكن الوقت انتهى وحدث الأمر تماما كما قال الله. يهدد الانسان احيانا، ولا ينفذ تهديده ابدا، ولكن الله يحفظ كلمته دائما.

في السنة الستة مئة من عمر نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر منه في ذلك اليوم تفجرت عيون الغمر العظيم وتفتحت كوى، السماء وكان المطر على الارض اربعين يوما وليلة.

                                          سفر التكوين 7: 11-12

 

عيون الماء

قامت بعض الرسوم الكاريكاتورية بتصوير قصة الطوقان على شكل صورة رجل مسن يجلس فوق قارب، وقد احاطت به الحيوانات، وقد ابتلت جميعها من المطر الشديد. ان هذه المحاولات لتصوير القصة هي خيالية وغير صحيحة، لان كل من بقي في الخارج كان لا يفكر بعواقب الطوفان واصبح في عداد الموتى، لانه كان معرضا للعاصفة التي ضربت الارض.

تصدعت الارض اولا، واطلقت كميات هائلة من المياه الباطنية. ويتحدث الكتاب المقدس عن تفجر العيون في القمر العظيم. وتقول احدى النظريات ان الضغط الشديد قذف بالمياه عاليا في الجو. وقامت هذه المياه بفتح كوى السماء. لا شك ان مثل هذا التصدع لقشرة كوكب الارض قد صاحبه نشاط بركاني ضخم. ويحتمل ان تكون مجمل العملية المعروفة بالجرف القاري قدحدثت في هذا الوقت. واستطاع احد الباحثين بالاستعانة باجهزة الحاسوب الحديثة ان يصنع نموذجا من ثلاثة ابعاد لعملية الجرف القاري التي حدثت في اشهر قليلة (8). وبينما مزقت التصدعات قشرة الارض، قذف بقطع ضخمة من سطح الارض الى داخلها، فتم اعادة تشكيل حوض المحيط وارض القارات.

ان الكلمة العبرية لوصف هذا الحدث تعني "طوفان مأساوي". وتستعمل هذه الكلمة في الكتاب المقدس لوصف هذا الفيضان فقط. ولم يحدث في التاريخ فيضان ضخم بمثل حجم هذا الطوفان. ورغم ان الكثير مما حدث يمكن تفسيره بواسطة العلوم الطبيعية، الا اننا يجب ان نتذكر بأن الله الفائق القوة، يستطيع خلق ظروف المناسبة للفيضان والنتائج المدمرة المصاحبة له.

  استمر المطر 40 يوما وليلة، ويبدو من نصوص الكتاب المقدس أن المياه استمرت في الانسياب من الينابيع تحت الارض لمدة 150 يوما:

  وكان الطوفان اربعين يوما على الارض، فكثر الماء، وحمل التابوت فارتفع عن الارض. وكثرت المياه جدا وتعاظمت علىالارض، فسار التابوت على وجه الماء. وكثرت المياه جدا جدا على الارض، فغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت السماء كلها.

                                          سفر التكوين 7: 17-19

  كل من في انفه نسمة حياة من كل من في اليبس ماتوا. ومحا الله كل قائم كان على وجه الارض من الناس والبهائم والدبابات وطير السماء، فانمحت من الارض وبقي نوح ومن معه في التابوت فقط.

                                          سفر التكوين 7: 22، 23

  وذكر الله نوحا وجميع الوحوش والبهائم التي معه في التابوت. فأرسل الله ريحا على الارض، فتناقصت المياه. وانسدت عيون الغمر وكوى السماء واحتبس المطر من السماء. وكانت المياه تتراجع عن الارض.

                                          سفر التكوين 8: 1-3

  ويعتقد ان الجبال لم تكن عالية قبل الطوفان كما هي اليوم. ولو قمت اليوم بتصور سطح الارض بصورة مسطحة ومنبسطه، فان المياه سوف تغطي الارض الى عمق ميلين (3كم) تقريبا. ويقول الكتاب المقدس ان الجبال التي نراها اليوم ارتفعت بعد الطوفان، وهبطت الوديان وشكلت فيما يبدو احواض المحيطات.

  كانت المياه فوق الجبال. وبتوبيخك هربت… وارتفعت الجبال، وهبطت الاودية الى المكان الذي اسسته لها.      

        سفر المزامير 104: 6-9

 

كوكب مختلف

بقي نوح مع عائلته في الفلك لمدة 371 يوما، قبل ان يفتح الله الباب ويخرج معهم. وتراجعت المياه قبل ذلك اليوم بوقت طويل،  واستقر الفلك على منطقة جبلية. وعندما غادروا الفلك، لم تكن الارض جافة فقط، وانما كانت ارضا خصبة. كانت كوكبا مختلفا عما سبق. كانت الارض التي نعيش عليها الآن.

        فخاطب الله نوحا قائلا: اخرج من التابوت انت وامرأتك وبنوك ونسوة بنيك معك، وجميع الوحوش التي معك من كل ذي جسد من الطير والبهائم وسائر الدبيب الساعي على الارض، اخرجهن معك ليتوالدن في الارض وينمون ويكثرون عليها. فخرج نوح وبنوه وامرأته ونسوة بنيه معه...      وبنى نوح مذبحا للرب، وأخذ من جميع البهائم الطاهرة، ومن جميع الطير الطاهرة، فأصعد محرقات على المذبح. فتنسم الرب رائحة الرضى.

سفر التكوين 8: 15-18، 20، 21

 

وعـد

كان اول ما فعله نوح بعد مغادرته الفلك، هو بناء مذبح والتضحية بحيوان بريء تقدمة لله. ولم تعمل التضحية على ازالة الخطيئة، ولكنها مثلت ما كان ضروريا لدفع العقوبة - الدم المسفوك في الموت. كان ذلك دليلا، على أن نوح كان يثق بالله، ويؤمن بأن الرب سيحفظ كلمته ويخلصه بطريقة ما هو وعائلته من نتائج الخطيئة. وكان الله مسرورا.

  وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم انموا واكثروا واملأوا الارض.

                                          سفر التكوين 9: 1

  ها انا مقيم عهدي معكم ومع نسلكم من بعدكم… واقيم عهدي معكم، فكل ذي جسد لا ينقرض ايضا بمياه الطوفان، ولا يكون ايضا طوفان ليتلف الارض. وقال الله هذه علامة للعهد الذي انا جاعله بيني وبينكم، وبين كل ذي نفس حية معكم على مدى اجيال الدهر. تلك قوسي جعلتها في الغمام، فتكون علامة بيني وبين الارض.     

                سفر التكوين 9: 9، 11-13

وعد الله ان لا يدمر الارض ثانية بطوفان ابدا. وكلما سقطت الامطار، يظهر قوس القزح ليكون تذكيرا بذلك الوعد. ورغم مرور آلاف السنين بعد الطوفان، فقد اوفى الله بوعده.

  وكان بنو نوح الذين خرجوا من التابوت ساما وحاما ويافت، وحام هو ابو كنعان ، هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح ومنهم انبثقت الناس في الارض.

                                          سفر التكوين 9: 18، 19

      وكان للانسان الآن انطلاقة جديدة

  فكانت كل ايام نوح تسع مئة وخمسين سنة ومات.   سفر التكوين 9: 29

 

5- بـابـل

يسمى الفصل العاشر من سفر التكوين "قائمة الامم". يخبرنا من اين اتت الجماعات العرقية الرئيسة، ابتدأ من ابناء نوح الثلاثة. وينتهي الفصل بهذه الآية:   هؤلاء عشائر بني نوح بمواليدهم واممهم، ومنهم تفرقت الامم في الارض بعد الطوفان.                                  سفر التكوين 10: 32

وانقضت قرون من الزمان مرة ثانية، وازداد سكان الارض. وتنقلنا القصة الآن الى ما يسميه المؤرخون مهد الحضارة: بلاد ما بين النهرين القديمة، وهي بلاد العراق الحديث.

  وكانت للارض كلها لغة واحدة وكلاما واحدا. ولما رحلوا من المشرق وجدوا بقعة في ارض شنعار فأقاموا هناك. وقال بعضهم لبعض، تعالوا نصنع لبنا وننضجه طبخا، فكان لهم اللبن بدل من الحجارة، واحمر كان لهم بدل الطين. وقالوا تعالوا نبني لنا مدينة وبرجا رأسه الى السماء ونقم لنا اسما كي لا نتبدد على وجه الارض كلها.                                       سفر التكوين 11: 1-4

مخطط الانسان

  بعد الطوفان قال الله للانسان أن … انموا واكثروا واملأوا الارض.

                                          سفر التكوين 9: 1

ولكن الانسان الآن لم يكن يحاول تغيير المخطط الالهي فحسب، وانما كان يضيف شيئا جديدا من عنده.

اولا: اراد الانسان ان يبقى في مكان واحد، وان يقوم ببناء مدينة كبيرة. وكان هذا عصيان مباشر لتعليمات الله. وهكذا يقوم الانسان للمرة الثانية بعمل يدل على انه يعرف ما يناسبه ويفضله احسن من الله.  ونلاحظ ان الانسان اصبح يعاني من مشكلة الطاعة. هل تساءلت في احد الايام لماذا لا ينبغي عليك تعليم الاطفال الصغار عصيان اوامر امهم وابيهم؟ ان الامر يأتي بصورة طبيعية، لان التحدي طبيعي في قلب الانسان. وبصورة عامة، لا نريد نحن البشر ان يقال لنا ماذا نفعل، ونفضل دائما ان نفعل الذي نريده. وكانت هذه هي المشكلة التي واجهت شعب بابل.

 

ثانيا: اضافة الى اقامة المدينة، اراد الانسان ان يبني برجا لتكريم نفسه. كان الناس يقولون:

تعالوا … نقم لنا اسما.

 سفر التكوين 11: 4

لا تستطيع ان تدرك من خلال ذلك، الا همسات الشيطان الشريرة، لانه كان يسعى دائما الى تحقيق ذلك.

ومن الملاحظ ان الله لم يوافق على  أي من هذه الخطط. لان الانسان عندما ينشغل بالمكانة والشهرة، ويشعر بالكبرياء، يخرج الله من حياته. من الصعب جدا ان تحاول تمجيد نفسك، عندما تكون قريبا من اله قوي جدا، متألق وسام وصاحب الجلالة. ان الله يجعل كل من يسعى للشهرة معرضا للسخرية. وكما رأينا سابقا، يقول الكتاب المقدس بأن الله هو الوحيد الذي يجدر باسمه التمجيد.

        ولذلك لم تتوافق مخططات الانسان مع تعليمات الرب على الاطلاق. ومرة ثانية كان الانسان يعمل بمفرده وباستقلال عن الله المتسامي في العظمة.

ان بابل هي اول حادثة في الكتاب المقدس تشير الى محاولة تنظيم دينية. وهي تظهر محاولة الانسان في تنظيم نفسه دينيا. ان الناس في محاولتهم بناء برج يصل الى السماء، كانوا يبتكرون طريقتهم الخاصة في الوصول الى الله. نستطيع ان نتخيل الناس وهم يعملون كالعبيد في ذلك الحر الشديد، يجمعون الطين ويشوون الطوب ويلصقونه معا بالقطران. لا بد ان هذا كان عملا شاقا ومخيفا، وكل ذلك لكي يتمكنوا من الوصول الى السماء. ولكن الخطة فشلت. فهناك طريقة واحدة للوصول الى السماء وهي طريق الله.

ان تعريفا جيدا لكلمة الدين يمكن ان يكون كما يلي: الدين هو جهود الانسان من اجل التقرب من الله. ويميل الانسان بطبيعته الى  التدين. انه يبحث بشكل مستمر عن طرق جديدة للوصول الى الله، ولكن هذا الجهد هو جهد بدون امل. ان الكتاب المقدس يقول أن البشرية تعيش في برية روحية –في ضياع– ولا يستطيع الانسان ان يجد طريق العودة الى الله بجهده الخاص. ولا يستطيع الانسان ان يتخلص من الخطيئة، ولا ان يجد البر الكافي ليجعل نفسه مقبولا للرب.

وعلى نقيض الدين، تعلمنا كلمة الله بأن الطريق الحقيقية الوحيدة للوصول اليه، قد وفرها هو بنفسه عندما اعطى الانسان طريقة للهرب من العقوبة بسبب الخطيئة. ان الله هو الذي ينقذنا، انه المخلص. ويوضح الكتاب المقدس بأن الرب…

  … يبتكر طرقا بحيث ان الشخص المنفي لا يبقى غريبا عنه.

                                  سفر صموئيل الثاني 14: 14

تجاهل اهل بابل هذه الحقيقة. وبالطبع لم تفت أي من مجهوداتهم العظيمة في البناء  ملاحظة الله. كان الله يشعر تماما بما كان يحدث.

فنزل الرب (10) لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب هؤلاء هم شعب واحد، ولجميعهم لغة واحدة، وهذا ما اخذوا يفعلونه. والآن لا يكفون عما هموا به حتى يصنعوه. 

                سفر التكوين 11: 5-6

        عرف الله ما اثبت التاريخ انه صحيح، وهو ان الانسان بلغة مشتركة يستطيع ان يحقق تقدما تكنولوجيا سريعا. وكلما كانت الاشياء اكثر تقدما واكثر راحة، كلما شعر الانسان بأنه يحتاج الى الله بصورة اقل. هذا نمط شائع، ورغم ان الله قد اعطى الانسان ارادة حرة، فانه لم يرغب في ان يحيا الانسان بشكل مستقل عنه.

 

مشتتون

        ان القصة الآتية تعبر عن نفسها. لقد اتخذ الله اجراء يواجه به تحدي الانسان. قال الله…

  "هلم نهبط* ونبلبل هناك لغتهم، حتى لايفهم بعضهم لغة بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه الارض كلها وكفوا عن بناء المدينة.

     سفر التكوين 11: 7، 8

*نلاحظ مرة اخرى وجود ضمير الجماعة في هذه الآية. يذكر الكتاب المقدس بوضوح انه يوجد اله واحد فقط، فالى من يشير ضمير الجماعة عندما يقول نحن؟ سنشرح ذلك لاحقا.

 

ان الهجرة التي قامت بها القبائل الاصلية في اميركا الشمالية والجنوبية لم تكن قائمة على اسس صحيحة. ورغم وجود بعض العلاقات اللغوية، يصعب الاعتماد على الصلات اللغوية فقط لاثباتها. كيف وصلت جماعات صغيرة من البشر وهي معزولة لغويا من مثل هذه المواقع النائية من شمال غرينلد الى اعماق الادغال الامازونية.  ان هذا الامر خارج عن نطاق الشرح المعقول. يقول الكتاب المقدس بأن الله قد شتتهم - ويبدو ان هذا ما قد حدث بالضبط. ولا شك انه قد زودهم بمعرفة كافية عن طريقة الحياة في البيئة الجديدة.

وكيفما كانت هذه الهجرة -سواء عن طريق برية ام غير ذلك- فان الله عندما شتتهم، زودهم بمعرفة جديدة تمكنهم من الحياة في البيئات الجديدة. ان كل الذين يبدأون بتعلم لغة اخرى، يعرفون ان المرء لا يستطيع ان يخلق لغة جديدة بنـزوة عابرة. ان بعض اللغات التي خلقها الله هي معقدة جدا بحيث يحتاج* علماء اللغة الى سنوات عديدة لفهمها، وحتى بعد ذلك فانهم لا يفهمونها بشكل كامل.

ان المدينة التي كان الناس يقومون ببنائها لم تختف، ولكن اتخذت اسما آخر. انها تعني البلبلة.

  ولذلك سميت بابل لان الرب هناك بلبل لغة الارض كلها. ومن هناك شتتهم الرب على كل وجهها.         

                سفر التكوين 11: 9

 

 اصل الاجناس ؟(11)

يوجد جنس واحد فقط، وهو الجنس البشري. يقوم الكتاب المقدس بتصنيف الناس حسب القومية او القبيلة، وليس حسب لون البشرة او المظهر الجسمي. ولكن هذه الاختلافات موجودة ؟ اذ كيف يمكن ان تكون قد نتجت؟

لكي نشرح ذلك سوف سنتحدث عن الطريقة التي تكونت بها الوان البشرة المختلفة، وينطبق نفس الشيء على شكل العين والانف وملمس الشعر والقامة الخ…

        يظن الناس عادة ان للبشرة عدة الوان، والواقع ان لها لونا واحدا فقط: ميلانين. اذا كان لدينا القليل من الميلانين فان بشرتنا فاتحة، واذا انتجنا كمية كبيرة من الميلانين فان بشرتنا سمراء. ويوجد بضعة عوامل اقل اهمية تساهم في لون البشرة، ولكنها ليست فريدة في أي جنس معين.  والشرح ادناه ينطبق عليها ايضا.

لقد كان معروفا منذ وقت طويل، انه اذا تزوج رجل اسود بامرأة بيضاء، فان النتيجة النهائية هو بشرة ذات لون بني. واذا تزوج اثنان من ذلك النسل فان بشرة الاولاد يمكن ان تكون سوداء او بيضاء، او أي ظل من اللون بين الابيض والاسود. لماذا؟ لان كل من الوالدين يملكان عددا من الجينات المطلوبة لاعطاء الطيف الكامل من الالوان.

        ولو اخذنا الآن اولادا ولدوا بالبشرة السوداء النقية (من الزواج المذكور اعلاه)، وتزوجوا نسلا آخر بذات اللون، وهاجروا الى منطقة اخرى، لا يستطيع فيها اولادهم الزواج مع اشخاص من لون آخر، فان نسلهم عندئذ سيكون اسودا بشكل ثابت. لن يكون لهم من بعد الجينات المطلوبة لانتاج البشرة البيضاء. وينطبق هذا على ذوي البشرة البيضاء الذين ليس لديهم الجينات المطلوبة لانتاج البشرة السوداء. ان مثل هذا التنوع في مجموعتين مختلفتين من اللون، والذي لا يتعلق بأي جين جديد يضاف الى تلك التي تم خلقها، يمكن ان يحدث بعد اجيال قليلة فقط. ورغم ايجاز الشرح المذكور اعلاه بشكل كبير، يستطيع المرء ان يدرك ان المشكلة ليست كما تبدو لاول وهلة.

ويقول الكتاب المقدس بأن جميع امم الارض تحدرت من نوح ومن اولاده الثلاثة وزوجاتهم الذين ربما كانت بشرتهم حنطية، ولا بد انه كانت تتوفر لديهم جينات ساعدت على ظهور البشرتين البيضاء والسوداء لدى احفادهم.

 

-----------------

 إلى الفصل السادس | إلى محتويات كتاب غريب على الطريق | إلى مكتبة النعمة