Make your own free website on Tripod.com

 

تقديم الكتاب

يسرني أن أقدم للقارئ العربي هذا الكتاب الجميل الذي يصدر عن كاتب حباه الله نعمة الحياة الجديدة في المسيح عام 1977، فعكف من واقع اختباره على دراسة كتابه المقدس وتعمَّق فيه فكراً واختباراً، ثم نقل لنا من معرفته العقلية واختباره الواقعي ما كشف الله له عنه من حقائق روحية يجب أن يعرفها الجميع.

والكاتب طبيب عيون، درس الطب في جامعة الإسكندرية وجامعة لندن. وأنت ترى معرفته العلمية تساند معرفته الدينية، فترى كيف أن العلم يشارك كلمة الله الموحى بها في دعوتك إلى معرفة الله معرفة اختبارية تغير الحياة وتملأ القلب بالسلام.

أهنئ القارئ بما سيقرأه، وأهنئ الكاتب بما كتبه، وأشاركه في توجيه الدعوة للقارئ ليختبر خلاص المسيح.

الاستاذ الدكتور القس/ مِنيس عبد النور

راعى الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة (خلف مجمع التحرير)

وأستاذ اللاهوت في كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة

heart.gif

heart1.gif

heart2.gif

  

تعليق للكاتب

ظلَّ الشيطان لفترة طويلة يحارب بشدة ظهور هذا الكتاب «كيف نتصالح مع الله؟» حتى لا يصل الناس إلى الحقيقة الإلهية ويخلصوا من مرض الخطية الوراثي من أبينا آدم، ومن عبودية إبليس، ومن الطرح في جهنم النار الأبدية في يوم الحساب في اليوم الأخير.

وليس هذا غريباً علينا، خاصةً عندما نعرف أن كثيرين من المؤمنين كانوا يشعرون بوجود الشيطان عدو الخير والإنسانية. فمثلاً الراهب الدكتور مارتن لوثر في عصر النهضة في القرن السادس عشر كثيراً ما كان يشعر بوجوده وهو يحاول أن يزرع الشكوك الكثيرة في نفسه ويثبط عزيمته، عندما كان يحاول أن يترجم الكتاب المقدس (كلمة الله) إلى اللغة الألمانية، حتى أنه يُقال إنه ذات مرة رماه بدواية الحبر وطلب منه مغادرة الغرفة.

ولقد وصفه المسيح بأنه «كاذب والكذب في طبعه لأنه كذاب وأبو الكذابين» (يوحنا 8: 44). وهو أيضاً سيحاول أن يمنعك بكل الوسائل لكي لا تقرأ هذا الكتاب أو تكمل قراءته حتى لا تصل إلى الحقيقة التي تؤهلك إلى الخلاص. لذلك أرجو أن تصلي لله حتى تكمل قراءته.

ولقد حاولت في هذا الكتاب بقدر الإمكان أن أجيب على معظم الأسئلة المحيرة والغامضة في الديانة المسيحية مثل:

1 - ما هي طريقة العبادة والفرائض في المسيحية، ولماذا تختلف عن الديانات الأخرى؟

2- حقيقة المسيح، وماذا يعني أنه ابن الله؟ وهل هو حقيقة الله كما يقول المسيحيون؟ وهل يمكن أن يتجسَّد الله؟ وإذا كان هذا حقيقة فلماذا يتجسد؟

3 وما هي نوع الشريعة في الديانة المسيحية؟

4 وما هي الأدلة الحاسمة على وجود الله الذي لا يُرى؟

5 - وما هو معنى الجهاد في المسيحية؟

6 وهل الإنسان مُسير أم مُخير؟ وما هو معنى الحرية في المسيحية؟

7 - وما هي الوصايا العشر التي كتبها الله في لوحي حجر في جبل حوريب في سيناء قبل أكثر من 3400 سنة، وأعطاها للنبي موسى (كليمه لفترة 40 سنة كاملة)، وما علاقتها بالشرائع الأرضية، وبحقوق الإنسان؟ وما علاقتها بالمسيحي المؤمن؟

8 وهل الله غفور رحيم أم هو شديد العقاب؟ وهل من المنطق والمعقول أن يغفر الله للإنسان الذي أخطأ دون أن يعاقبه أو حتى يؤدبه؟ وهل هناك خطية صغيرة أو كبيرة عند الله العادل؟

9 - وهل حقاً الإنسان ابن آدم في عداوة مع الله؟ ولماذا؟ ومتى حدثت هذه العداوة؟ وإذا كان هذا حقيقة، كيف يتصالح الإنسان مع الله وينجو من الموت الروحي الأبدي في جهنم النار الأبدية في اليوم الأخير؟

10 وهل نحن في الأيام الأخيرة لهذا العالم الفاني الذي يبدأ ويُولد فيه كل شيء ثم يموت ويزول دون رجعة؟ وما هي التنبؤات والعلامات التي تدل على قرب القيامة؟

11 - وهل الله واحد لا شريك له؟ أم هو واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد، لا شريك له أيضاً، كما يقول المسيحيون؟ وهل الله إله ديموقراطي أم ديكتاتوري؟

12 - ما هي السعادة الحقيقية للإنسان؟ وكيف يمكن أن يطمئن الإنسان على مصيره الأبدي؟

وهناك أسئلة أخرى غامضة ومحيِّرة حاولت بقدر الإمكان أن أجيب عليها حتى تتضح الحقيقة للقارئ كوضوح الشمس في رابعة النهار. فالإنسان لا يمكن أن يخلُص من عبودية إبليس والطرح في جهنم النار الأبدية في اليوم الأخير إلا إذا عرف الحقيقة كاملة كما حدث معي أنا منذ عقود ونلت بمعجزة سماوية الولادة الجديدة من روح الله.

وأنت تتفق معي أيها القارئ العزيز أن الإنسان الذي يسير في النور والمعرفة يستطيع أن يرى الطريق واضحاً، وليس كالإنسان الذي يسير في الظلام والجهل، فهو سيتخبط ولن يعرف الطريق الصحيح، ولا بدّ أنه سيقع ويؤذي نفسه أذية مميتة.

والملاحظ في هذا الكتاب أنه لم يُكتب لفئة معينة من الناس، بل هو لكل الناس بدون فرز بين مسيحي ويهودي ومُسلم وبوذي ومُلحد وشيوعي وخلافهم من الناس. ولذلك ربطتُ العِلم وعِلم الفلك والطب والمنطق بالدين حتى يصل القارئ إلى الحقيقة.

وهناك آيات هامة كثيرة اعتمد عليها هذا الكتاب توضح اشتياق الله القدوس أن يصل كل إنسان إلى معرفة الحقيقة ويخلص من جهنم النار.

فهو يحب الناس جميعاً بدون فرز، ويريد أن يملأ ملكوته الروحي الأبدي منهم جميعاً، ويجعل منهم أبناء أحباء وليس عبيداً أذلاء «لأن هذا حسن ومقبول عند مخلصنا الله، الذي يريد أن جميع الناس (من كل قبيلة وشعب وأمة ولسان وعقيدة وطائفة، فهو يحب الجميع؛) يخلصون (من الطرح في جهنم النار الأبدية في اليوم الأخير) وإلى معرفة الحق يُقبلون، لأنه يوجد إله واحد (أحد) ووسيط واحد (أي شفيع أحد) الإنسان يسوع المسيح (نسل المرأة وليس نسل آدم) الذي بذل نفسه (على الصليب حباً) فدية (دِيَّة) لأجل الجميع (بدون فرز)» (1تيموثاوس 2: 3-6) .

وقال سليمان الحكيم: «بدء الحكمة مخافة الرب، ومعرفة الله القدوس فهم (ونور)، لأنه بي تكثر أيامك (أيها الإنسان) وتزداد لك سنين حياتك (على الأرض)» (أمثال 9: 10، 11).

وسلام الله الذي يفوق كل عقل يكون معنا جميعاً.

المؤلف

الفصل الأول

الفــداء

1- قلبك والصليب:

تأمل أيها العزيز القارئ في الرسم الذي أمامك في الصفحات الأولى عن قلب كل إنسان، وهو قطاع طولي في قلبك، تجد أننا لو قطعنا القلب بالطول من الأمام أو الخلف، لوجدنا نفس الصورة لقلب كل إنسان، ففي منتصفه صليب من اللحم العضلي. وهل لاحظت حسب الرسم المبين في الصفحات الأولى، أن الدم الموجود داخل قلبك هما نوعان متناقضان: دم فاسد من الناحية اليمنى به غاز ثاني أكسيد الكربون السام، ودم نقي من الناحية اليسرى به غاز الأكسجين النقي (والذي يهبه لنا الله الكريم بوفرة كبيرة مجاناً وبدون حساب، والذي بدونه لا يستطيع أي كائن حي أن يعيش لحظة واحدة). ويأتي الدم الفاسد إلى القلب بواسطة وريدين كبيرين من جميع أجزاء الجسم، ومن القلب يذهب إلى الرئتين بواسطة شريان يخرج من خلف القلب من البطين الأيمن، لعملية التنقية والتغيير، ويخرج الغاز السام في عملية الزفير. ويدخل من الهواء الخارجي المحيط بنا غاز الأكسجين النقي في عملية الشهيق، ومن الرئتين يعود الدم إلى القلب بواسطة أربعة أوردة إلى الأذين الأيسر، ثم يذهب إلى البطين الأيسر، ثم يتوزع بواسطة شريان الأورطى الكبير الذي يخرج من خلف القلب من البطين الأيسر ليوزع الدم النقي لجميع أجزاء الجسم.

وهل لاحظت هذا الصليب اللحمي الحي الذي في منتصف قلبك، وهو جدار طولي وجدار أفقي يقسمان القلب إلى أربع غرف، والجدار الأفقي به صمامان هامان يفتحان ويقفلان في كل جزء من الثانية للتحكم في مرور الدم. وبدون هذا الصليب الحي لا يستطيع أي إنسان أن يعيش لحظة واحدة. وقد وضعه الله القادر على كل شيء بهذا الشكل الهام حتى يستطيع القلب أن يعمل بصورة جيدة، وليتمتع الإنسان بحياة سعيدة على هذه الأرض.

والقلب الطبيعي مع هذا الصليب اللحمي، هما في حركة دائمة من الانبساط والانقباض طالما أنت حي، وينبض القلب الطبيعي حوالي 60 - 90 نبضة في الدقيقة.

وهذه الصورة لقلبك، وهذا الصليب الحي هما تقريباً صورة طبق الأصل لعمل الصليب الذي ُصلب عليه المسيح في قلب العالم، وما يرمز إليه روحياً للمصالحة مع الله، ولخلاص البشرية كلها من مرض الخطية، ومن عبودية الشيطان في هذا الدهر، ومن جهنم النار الأبدية في اليوم الأخير.

وهناك عجيبة أخرى صنعها الله صانع العجائب، وهي وجود صانع ضربات القلب PACE MAKER بيس ميكر). انظر الرسم المبيَّن في أول الكتاب، وهو بمثابة المحرِّك الإلهي للقلب أو البطارية الإلهية، والذي يجعل القلب ينبض تلقائياً وبانتظام عجيب، وبدون الاعتماد على الجهاز العصبي للإنسان، وهو عبارة عن جسمين صغيرين موجودين كالسرج داخل رأس الصليب اللحمي من الناحية اليمنى الذي في منتصف قلبك (انظر الرسم أيضاً في أول الكتاب)، وهما ممتلئان بالخلايا العصبية، ويتفرع منهما فرعان من الأعصاب (مثل أسلاك السيارة) موجودين داخل جدار الصليب اللحمي، واللذان تنتقل بهما النبضات الكهربائية إلى جميع عضلات القلب. وأي خلل أو مرض في هذا الجهاز يكون له نتائج خطيرة على حياة الإنسان. ولو لم يكن هذا الجهاز موجوداً لما كان في الإمكان إجراء عمليات زراعة القلوب، والله القادر على كل شيء هو الذي يتحكم ويقرر متى تبدأ هذه البطارية عملها ومتى تتوقف. والعجيب أن كل بطارية تعمل لوحدها، وهي مشحونة بطريقة مختلفة من إنسان لآخر، ولها عمر محدد من الله، كبطارية السيارة. وهذه البطارية الإلهية موجودة أيضاً في قلب كل حيوان وكل طائر وكل سمكة وكل حشرة وباقي المخلوقات الأخرى، ولذلك تُعتبر هذه الحقيقة من أعظم الأدلة على وجود الله.

وقد منح الله الإنسان حداً أعلى لعمره على الأرض، وهو في المتوسط ما بين 70 إلى 80 سنة، كما جاء في مزمور (90 :10) (على فم النبي موسى). ولو تصوَّرنا أنك ستعيش 70 سنة وأن قلبك ينبض مع الصليب 70 نبضة في الدقيقة، فسيكون قلبك محتاجاً لهذا الصليب اللحمي الحي 70 نبضة × 60 دقيقة × 24 ساعة × 365 يوماً (أي سنة) × 70 سنة= 2.575.440.000 مرة، حتى تعيش في صحة جيدة على هذه الأرض. وأي مرض في هذا الصليب اللحمي المزروع في داخله البيس ميكر (البطارية الإلهية) في أية لحظة من لحظات عمرك قد يؤدي بك إلى الموت في الحال، أو إلى هبوط في القلب والموت البطيء.

2- الفداء بالدم والصليب:

قبل البدء في الكتابة أريد أن أوضح أن الكلمات والجُمل بين قوسين التي ستأتي في وسط الآيات في التوراة والمزامير (الزبور) وكتب الأنبياء والإنجيل هي من رأي الكاتب وحده، لأجل التوضيح والشرح ولمواكبة العصر الحالي، وهذا لسهولة فهم الموضوع الهام والأساسي، وهو: من هو المسيح، ولماذا أرسله الله إلى العالم؟

ومعذرة أيها القارئ سأذكر بعض الآيات أيضاً مع التفسير المناسب (بدون تغيير المعنى المقصود في الآيات) والذي يلائم هذا العصر، ففي اليهودية والمسيحية ليس حفظ الآيات حرفياً عن ظهر قلب هو الهام، بل المعنى العقلي والمنطقي والروحي، كما جاء في نبوة عن الفداء بالصليب حوالي 700ق.م يقول فيها الرب: «هلّم نتحاجج (أيها الإنسان حُجَّة بحجة ومنطقاً بمنطق) إن كانت خطاياكم كالقرمز (الأحمر) تبيَضّ كالثلج (الأبيض، وبدون حفظ الشريعة حرفياً)، وإن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف (الأبيض، بدون حفظ الشريعة حرفياً)» (إشعياء، النبي شُعيب 1: 18).

ويقول الإنجيل: «لا الحرف بل الروح (هو الهام) لأن (حفظ) الحرف يقتل، ولكن الروح يُحيي» (2كورنثوس 3: 6). وتفسيرها أن محاولة تطبيق الشريعة ووصايا الله حرفياً لا يستطيع أن يعملها بالكمال أي إنسان، فكسر أية وصية في الشريعة (والتي هي روحية وليست حرفية) حتماً سيؤدي إلى عقاب الله بالموت الروحي الأبدي في جهنم النار في اليوم الأخير. أما إذا سكن روح الله القدوس في الإنسان عن طريق النعمة الإلهية والإيمان، فسيستطيع الإنسان أن يطبق الشريعة، وسيحيا روحياً إلى الأبد، منذ لحظة إيمانه وإلى أبد الآبدين .

فهل تظن يا عزيزي أن الصدفة وحدها هي التي حتمت وجود هذا الصليب الحي في منتصف قلبك وقلب كل إنسان؟ أم هي حكمة الله القادر على كل شيء، الذي أراد أن يُذكرك مع كل دقَّة من دقات قلبك بالصليب الذي صُلب عليه المسيح كمجرم خطير، مع أن اسمه: «يُدعى اسمه الأمين والصادق .. كلمة الله .. وملك الملوك، ورب الأرباب» (رؤيا 19: 11،13،16).

وأيضاً «هو الألف والياء، الأول والآخِر، البداءة والنهاية» (رؤيا 22: 13).

فقد صُلب عرياناً بين مجرمين خطيرين في القرن الأول يوم الجمعة (اليوم السادس من الأسبوع، وهو اليوم الذي خُلق فيه أبونا آدم) سنة 30م تقريباً، وفي قلب العالم في مدينة القدس، التي هي أيضاً جغرافياً في قلب العالم، كما هو مُوضَّح في رسم الكرة الأرضية في أول الكتاب، وسُميت أيضاً «أور- شاليم» في اللغة العبرية، وتعني مدينة السلام (وليس من المستبعد أن شجرة معرفة الخير والشر الممنوعة الني كانت في وسط الجنة، كانت في نفس المكان الذي صُلب فيه المسيح فيما بعد، في مدينة القدس)، وكان آنذاك الصليب الخشبي الذي صُلب عليه ملطخاً بالدم الغزير الطاهر من رأسه الذي كللوه بإكليل من الشوك الحاد بديلاً لإكليل الذهب. والمعروف طبياً أن الرأس مليء بالدم، وأي جرح سطحي في هذه المنطقة ينزف أكثر من أي جرح سطحي آخر مماثل في الجسم، ولذلك كان نزيف الدم يملأ وجهه وجسمه كله. وكان الدم يخرج بغزارة من يديه ورجليه المسمَّرات على الصليب بمسامير كبيرة، وكان دم وماء يخرج من جنبه الأيمن بعد أن طعنه أحد جنود الرومان القساة بحربة كبيرة اخترقت صدره للتأكد من موته. وقبل الصلب حضر ثلاث محاكمات، أمام مجلس السنهدريم الأعلى لرؤساء اليهود، وأمام الملك هيرودس، وأمام الوالي الروماني بيلاطس، وفيها كان يُستهزأ به، فنتفوا ذقنه، وبصقوا في وجهه، ولكموه ولطموه، وكان المستهزئون به من اليهود يضربونه بقسوة ويقولون: تنبأ يا ابن الله، من ضربك؟ وكان المارة يهزون رؤوسهم ويشتمونه ويقولون »إن كنت ابن الله، فخلص نفسك وأنزل عن الصليب«، وكان رؤساء الكهنة ومعلمو الشريعة والشيوخ يستهزئون به، فيقولون »خلص غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب لنؤمن به! توكل علي الله وقال: أنا ابن الله فلينقذه الله الآن إن كان الله راضياً عنه« (متى 27: 39-43).

وكانوا أيضاً يضربونه بعصا غليظة على رأسه. ومع كل ضربة كان نزيف الدم يزداد بسبب الضرب على إكليل الشوك الحاد المحيط برأسه، مما جعل منظره بشعاً وهو معلق فوق الصليب، مع أنه مكتوب عنه، أنه «أبرع جمالاً من كل بني البشر». وجلده الجنود الرومان القساة جلدات قاسية كثيرة. وعندما كان في أشد العطش معلقاً على الصليب لمدة 6 ساعات، بعد الصيام لحوالي عشرين ساعة، وبعد الضرب الشديد والمشي لمسافات طويلة حاملاً صليبه الثقيل، صرخ: «أنا عطشان» لم يعطوه قطرة ماء بل أعطوه خلاً ممزوجاً بالمر في إسفنجة.

لقد اشترك في صلبه كل العالم آنذاك، من رؤساء اليهود وهم من أهله وعشيرته، والرومان الوثنيين. وقد اتهمه اليهود بكسر شريعة السبت المقدس عندهم، واتهموه بالتجديف (أي الكفر)، إذ قال إنه ابن الله أي ساوى نفسه بالله، واتهموه أمام الوالي الروماني أنه كان يُحرض على الثورة ضد الحكم الروماني ويمنع دفع الجزية لقيصر، ويدَّعي أنه ملك، ولكن هو في الحقيقة كان بريئاً كالحمل من كل هذه الاتهامات.

وفوق الصليب كان المستهزئون به من الشعب اليهودي ورؤساء الكهنة يقولون: «خلَّص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يُخلصها. إن كان هو ملك إسرائيل لينزل من على الصليب فنؤمن به» (متى 27: 42) . وأما هو فقد كان صامتاً كنعجة صامتة تساق إلي الذبح، ولم يلعن أو يتوجع أو يصرخ طالباً العفو، ولم تنزل دمعة من عينيه، بل بالعكس طلب المغفرة لصالبيه والمستهزئين به، وقال: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (متى 27: 52). قالها وهو معلق فوق الصليب، مجروحاً جراحات بالغة من الناس الذين أحبهم، وشفى آلاف مرضاهم بكلمة أو بلمسة من يده الشافية أو بلمس ثوبه فقط، وفتح عُمي كثيرين، وجعل عشرات البُكم والصُم يترنمون، وجعل آلاف المكسحين المقعدين والعُرج والمفلوجين يطفرون ويهللون من الفرح، وأقام عشرات الموتى بل يحتمل المئات. وأشبع آلاف الجياع بالقليل جداً من الخبز وصغار السمك، ولمس البُرص فطهرهم، وأخرج آلاف الأرواح النجسة (الشياطين) من المجانين بكلمة فقط. وكان يجول في المدن والقرى ماشياً علي قدميه «يصنع الخير للجميع» (لوقا 23: 34). وبغفرانه لصالبيه أثبت أن الذي صُلب هو بنفسه وليس إنساناً آخر شبيهاً به. فلو كان شبيهٌ به صُلب وهو بريء لملأ الدنيا صراخاً أنه ليس المسيح، ولصبَّ اللعنة على صالبيه. لقد برهن المسيح بغفرانه لصالبيه أنه إله متجسد.

والحقيقة التي لا تدانيها حقيقة أخرى، أنه كان قد سلم نفسه طائعاً مختاراً وفي أشد السرور بدافع محبته العظيمة لكل إنسان، ومنهم المتوحشون الذين صلبوه حتى يتمم الكتب ومشيئة الله في فداء البشرية كلها، وأخذ القصاص الإلهي بالنيابة عنها. كان في إمكانه كما قال لأحد تلاميذه، الذي أراد أن يقاوم تسليمه لعسكر رؤساء الكهنة ليلة الخميس: «أتظن إني لا أستطيع الآن أن أطلب من أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تُكمل الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون؟» (متى 26: 53 ،54). (والجيش يعني لواء، وفي اللواء الواحد حوالي عشرة آلاف جندي، أي أنه كان يمكن أن يستدعي أكثر من 120 ألف ملاك لإنقاذه في الحال). ولو تذكرنا أن ملاكاً واحداً قتل في لحظة واحدة في نصف الليل 185 ألف جندياً قوياً جباراً من جيش نينوى العراقي كانوا يحاصرون مدينة القدس، حوالي سنة 700 ق.م، فلما طلع الصباح كانوا جثثاً هامدة ملوك الثاني (19: 35) وإشعياء (37: 36).

فكم تظن يا عزيزي القارئ يكون بطش 120 ألف ملاكاً؟ ولو حسبنا 120.000 ملاك × 185.000 إنسان= 2.220.000.000 إنسان مقتول، أي كان يمكن أن الملائكة يبيدون في ذلك الوقت سكان الكرة الأرضية مضاعفاً أكثر من 22 مرة تقريباً، لو كان سكان الأرض مائة مليون إنسان في سنة 30م.

والعجيب في الأمر أن يوم صلبه كان يوافق نفس يوم عيد الفصح يوم الجمعة (EASTER أو عيد العبور PASS OVER) عند اليهود، والذي لا يزالون يمارسونه سنوياً حتى يومنا هذا في أول الربيع، رغم مرور حوالي أكثر من 3300 سنة. وهذا اليوم يذكرهم أيضاً بيوم إنقاذهم من الملاك المهلك الذي عبر في نصف الليل يوم الجمعة ليضرب أبكار المصريين، وحين رأى الملاك دم الحمل المذبوح المطلي على العتبة العليا وقائمتي أبواب بيوت بني إسرائيل عبر الملاك المهلك (والذي عبر أيضاً من الشرق EAST أي من جهة مدينة القدس عندما كان الإسرائيليون في مصر) عن الأبواب ولم يدخل بيوتهم، بل ضرب كل بكر في مصر ممن لم يكن الدم علامة على بيوتهم، من بكر فرعون إلى بكر الأسير في السجن، وبكر كل بهيمة. وكان صراخ عظيم في مصر لأنه لم يكن بيت من بيوتها كلها إلا وفيه ميت!

وهذا العيد يعتبر كعيد التحرير، والذي يذكرهم بتحريرهم من عبودية فرعون، الذي استعبدهم أربعمائة سنة. والمسيحيون يحتفلون بنفس هذا العيد كل سنة في أوائل شهر أبريل أي في أوائل الربيع، يوم الجمعة أيضاً ويسمى عيد الفصح أيضاً، ويتبعه عيد القيامة يوم الأحد، أول أيام الأسبوع الجديد، والذي يتبعه عيد شم النسيم يوم الإثنين عند الشرقيين، وهو يرمز أيضاً إلى عيد التحرير لشعب الله المؤمن بالمسيح منذ القرن الأول الميلادي من عبودية إبليس، والذي كان قد استعبد البشرية منذ خلق الله الإنسان قبل ميلاد المسيح. وكان دم الحمل على الأبواب والذي يرمز لدم المسيح الطاهر حمل الله (أي الذبح العظيم الحقيقي) على الصليب، هو الذي حرر بني إسرائيل من العبودية إلى الأبد.

ويرمز أول الربيع أيضاً إلى تجديد الأرض بعد موتها في الشتاء، إذ تولد من جديد وتنمو الأشجار وتتفتح الأزهار وتخضرّ الطبيعة، وهذا شبيه بما يحدث للمؤمن بعد إيمانه بقيامة المسيح من بين الأموات (وانتصاره علي الموت الأبدي) في فجر اليوم الثالث يوم الأحد، أول أيام الأسبوع الجديد، إذ يصبح أيضاً إنساناً جديداً وخليقة جديدة، وابناً حقيقياً لله.

والحقيقة التي لا تدانيها حقيقة أخرى، أن صلب المسيح في ذلك الوقت بالذات كان تدبيراً إلهياً منذ الأزل، ليأخذ المسيح عقاب الله الأبدي على نفسه بالنيابة عن البشرية كلها، وهكذا يكون المسيح الطاهر القدوس قد دفع بالدم الطاهر الفدية أو الدية لله العادل القدوس، حتى يوفي العدالة الإلهية قبل كل شئ حقها الأساسي في القصاص، بالموت النفسي والروحي الأبدي على كل من يخطئ. وليخلُص بهذا الفداء على الصليب والقيامة من بين الأموات كل من يؤمن به من عبودية إبليس ومن الطرح في جهنم النار في اليوم الأخير، وأيضاً يحرره من عبودية الخطية ونتيجتها، وهكذا يصنع السلام (النفسي والروحي) المفقود بين الله والإنسان والخليقة كلها، ويحقق أيضاً الغفران الأبدي لخطايا المؤمن منذ لحظة إيمانه وحتى اليوم الأخير.

وهناك يا عزيزي القارئ كثير من النبوات التي وردت في الكتاب المقدس عن هذه الحادثة الهامة، منها ما جاء في مزمور (22: 1 و13- 18) بفم النبي داود الملك: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ أما أنا فدودة لا إنسان، عارٌ في نظر البشر، ومنبوذٌ في عيني شعبي (اليهودي). جميع الذين يرونني (على الصليب) يستهزئون بي، وفغروا عليَّ أفواههم، كأسد مفترس مزمجر. كالماء سالت قواي، انفصلت كل عظامي، صار قلبي كالشمع، وذاب وسط صدري، ويبست كالخزف قوتي. أحاطت بي ثيرانٌ كثيرة أقوياء (وترمز للجنود الرومان القساة).. التصق لساني بحنكي (من العطش الشديد).. لأنه قد أحاطت بي كلاب. جماعة من الأشرار أحاطوا بي. ثقبوا يديَّ ورجليَّ (بالمسامير)، (وكنت) أُحصي كل عظامي (عندما كنت مُسمراً على الصليب مدة ست ساعات في مدينة القدس)، وهم ينظرون ويتفرسون فيَّ، ويقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون». وهذه النبوة قيلت منذ حوالي ألف سنة قبل صلب المسيح القدوس، وكما ترى فهذا ما حدث بالضبط كما قال شهود العيان الكثيرون في اتفاق كبير في البشائر الأربع في الإنجيل ورسائل الرسل (أي الحواريين) المُكملة للإنجيل. ومن ضمن الشهود أيضاً أمه مريم العذراء، التي كانت تبكي بمرارة تحت الصليب بينما كان هو يواسيها من على الصليب بشارة يوحنا (19: 26 و27).

ولم يكتب المسيح حرفاً واحداً في الإنجيل، إنما جعل كثيرين من شهود العيان والسماع يكتبون، ولو اختلف أحد هؤلاء الشهود لانهارت المسيحية عند مهدها، فقوة الإنجيل هي في اتفاق الشهود الكثيرين اتفاقاً كاملاً، وخاصة عن حادثة الصليب والدفن والقيامة من بين الأموات منتصراً علي الموت الأبدي في فجر اليوم الثالث يوم الأحد أول أيام الأسبوع الجديد.

وقال المسيح لتلاميذه قبل أن يصعد في الهواء أمام عيونهم إلى السماء، وليس في الأحلام، من جبل الزيتون القريب من مدينة القدس:«ستكونون شهودي في أورشليم وكل اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض» أعمال الرسل (1: 8).

وكان الفضل في انتشار المسيحية (بدون سيف أو حربة) في القرون الميلادية الثلاثة الأولى على نطاق واسع لشهادة هؤلاء الشهود الذين شهدوا حتى الموت، بموت المسيح على الصليب وبقيامته من الأموات، وصعوده إلى السماء أمام عيونهم من جبل الزيتون القريب من مدينة القدس. فمثلاً التلميذ يعقوب بن زبدي قُطعت رأسه في الجليل في فلسطين، وبطرس كبير التلاميذ صُلب مُنكس الرأس بمدينة روما، وبولس الرسول قُطعت رأسه في مدينة روما، ويوحنا أصغر التلاميذ ألقي في الزيت المغلي. وكل هؤلاء لم ينكروا موته على الصليب ودفنه ثم قيامته في فجر اليوم الثالث من بين الأموات. هذا بخلاف آلاف الشهداء القديسين الذين قتلوا في القرون الثلاثة الميلادية الأولى، أو صُلبوا، أو أُحرقوا أو أكلتهم الوحوش الكاسرة في الاستادات الكبيرة أيام الحكم الروماني الوثني. وكل هؤلاء كانوا يفتخرون بإيمانهم بالمسيح وبصلبه ودفنه وقيامته من الأموات في فجر اليوم الثالث، منتصراً على الموت الأبدي نهائياً وإلى الأبد.

وجاءت نبوءة أخرى في سفر إشعياء (53: 412) (حوالي 700 سنة ق.م) «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمَّلها، ونحن حسبناه مصاباً ومضروباً من الله (عقاباً له) ولكن هو (في الواقع) كان مجروحاً لأجل معاصينا (ومعاصي كل البشر) مسحوق لأجل آثامنا (المسيح معلق بالمسامير على الصليب).. وأُحصي مع أثمة (أي صُلب مع المجرمين). ظُلم وأُذل، ولكنه لم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها لم يفتح فاه. وجُعل مع الأشرار قبره، مع أنه لم يرتكب جوراً، ولم يكن في فمه غش. ويقدم نفسه كذبيحة إثم.. فهو حمل الخطية عن الكثيرين وشفع في المذنبين». (بعد قيامته من الأموات وصعوده إلى السماء بعد أن مكث 40 يوماً على الأرض يعلم تلاميذه وظهوره لأكثر من 500 شاهد عيان).

نبوءة أخرى قيلت في (إشعياء 45: 22) «التفتوا إليَّ (وأنا معلق بين السماء والأرض على الصليب) واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا (كلمة وعقل وحكمة وروح) الله (المتجسد الواحد الأحد) وليس هناك إله آخر غيري».

والديَّة أو الفدية هي مبلغ من المال يدفعه أهل أو أصدقاء القاتل المجرم في السجن بديلاً لعقوبة الإعدام، وهكذا ينال هذا المجرم التبرير والحياة الجديدة، أما الدية التي كانت تدفع لله لغفران الخطايا ولتبرير الخطاة قبل مجيء المسيح (في الشريعة الطقسية اليهودية)، كانت بواسطة سفك دم الذبائح (خاصة ذبيحة المُحرقة كما جاء في سفر اللاويين بالتوراة الأصحاح الأول) بعد سلخها وتقطيعها وحرقها كاملة وهلاكها أبدياً (بالنيابة عن الخاطئ) إلى أن تصبح رماداً يُذرُّ في الهواء (وترمز للهلاك الأبدي) وتسمى القرابين. ولكن عندما صُلب المسيح قَبِلَ الله بكل الرضى هذا القربان الأقدس الكامل والذي وفى عدالته، وأيضاً أشبع قلبه المملوء حنان ومحبة للإنسان. ولن يقبل قرابين كفارية حيوانية أخرى حتى اليوم الأخير.

وأما الذبائح الروحية التي يُسّر بها الله في العهد الجديد فهي «ذبائح الشكر، والتسبيح، والحمد، وعمل الخير، وإعانة المحتاجين» عبرانيين (13: 15، 16) ترجمة تفسيرية.

وأما الصلاة والعبادة بكل أنواعها من الفرائض فلا يقبلها الله بتاتاً من الذي لا يؤمن بقربان المسيح على الصليب، كما ذكر مثلاًً في إشعياء (1: 15- 17) لشعب الله المتمرد (وهذا ينطبق على جميع غير المؤمنين بذبيحة المسيح الإلهية على الصليب) إذ قال الله: «عندما تبسطون نحوي أيديكم أحجب وجهي عنكم، وإن أكثرتم الصلاة لا أستجيب، لأن أيديكم مملوءة دماً. اغتسلوا. تطهروا (بدم الذبيحة والذي يرمز لدم المسيح). أزيلوا شر أعمالكم من أمام عينيَّ. كُفوا عن اقتراف الإثم، وتعلموا الإحسان (للفقراء والبؤساء والأيتام والأرامل). أنشدوا الحق. انصفوا المظلوم. اقضوا لليتيم، ودافعوا عن الأرملة».

 

3- الصليب هو قوة الله وحكمته:

يذكر الله في كلمته المقدسة أن كل حكمته وقوته تجلت في الصليب «فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، أما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله.. إذ (رغم) أن اليهود يطلبون آيات، واليونانيين يبحثون عن الحكمة، ولكننا نحن نبشر بالمسيح مصلوباً.. وأما للمدعوّين سواء من اليهود أو اليونانيين الذين آمنوا بالمسيح (مصلوباً) فهو قوة الله وحكمة الله» كورنثوس الأولى (1: 18، 23، 25). «لمعرفة سر الله والمسيح المخزونة فيه كنوز الحكمة والمعرفة كلها» كولوسي (2: 2، 3).

فحكمة الله تجلت في الصليب في حل المشكلة الكبرى التي نشأت بخطية الإنسان الأول أبينا آدم الذي أُعتبر سارقاً من الشجرة المحرمة والممنوعة، والذي كان أصل البشرية كلها. إذ أصبح منذ ذلك الوقت فاسداً هو ونسله كله من بعده. وكما لا يمكن أن ينتج شجر الشوك عنباً أو تيناً، هكذا أصبح آدم الذي فسد أيضاً، لا يمكن أن ينتج نسلاً صالحاً. والمعروف طبياً أن الذي يحدد نوع الجنين ذكراً أو أنثى هو الحيوان المنوي المذكر x أوy وليست بويضة المرأة، لذلك أصبحت كل البشرية من نسل آدم الفاسد، ما عدا بالطبع المسيح القدوس الذي لم يأتِ من زرع بشري بل هو كلمة الله وروح الله المتجسد في صورة إنسان في عذراء طاهرة اسمها مريم، من نسل داود ومن سبط يهوذا ابن النبي يعقوب أي النبي إسرائيل، لم يِمسّسها بشر. وهناك مثل شعبي يقول «من شابه أباه فما ظلم». وهذه حقيقة، فكثيراً ما نرى أن الأبناء صورة طبق الأصل من آبائهم في الشكل والصفات الأخلاقية التي هي موجودة في الجينات الوراثية في الكروموسومات (الموجودة في نواة الخلية فقط).

وهذا يقودنا إلى سؤال هام: إذا كان كل إنسان يشبه أبانا آدم، فمن كان يشبه المسيح الذي بالطبع لا يحمل جينات وراثية من آدم، بل هو كلمة وروح الله المتجسد في صورة إنسان حقيقي والذي كان معجزة من الله؟

ملحوظة: أمنا حواء الجميلة لم يكن لها جينات وراثية خاصة بها، فالجينات الوراثية التي فيها هي أيضاً من آدم، لأنها أخذت وخلقت من أحد أضلاعه القريبة من قلبه. ولذلك أصبح أي مولود من حواء أو كل امرأة منذ فجر الخليقة، هو نسخة مكررة طبق الأصل في الشكل والصفات الأخلاقية لأبينا الأول آدم.

وقد أشار المسيح إلى هذا الفساد الذي أصاب نسل آدم كله في (متى 7: 16-19) وفي أماكن أخرى من الإنجيل، إذ قال: «من ثمارهم تعرفونهم. هل يُجنى من الشوك عنب، أو من الحسك تين؟ هكذا كل شجرة جيدة تثمر ثمراً جيداً، أما الشجرة الرديئة فهي تثمر ثمراً رديئاً. لا يمكن أن تثمر الشجرة الرديئة ثمراً جيداً، .. وكل شجرة لا تثمر ثمراً جيداً تقطع وتطرح في النار (وتصبح حطباً للحريق)».

وهكذا أصبحت كل البشرية تستحق حكم الله العادل وهو دين وعقاب الموت الجسدي والنفسي والروحي الأبدي (أي الانفصال عن الله) وأصبح كل إنسان مديوناً بالوراثة من آدم بهذا الدين الأبدي. وتقول كلمة الله أنه كما أنمن صفات الله الجوهرية العدالة الكاملة، والذي لا يمكن أن يتنازل قيد شعرة عن حقه الطبيعي في توقيع عقاب الموت الجسدي والنفسي والروحي الأبدي على كل من يُخطئ، حتى ولو كانت هذه الخطية صغيرة، وإلا أصبح إلهاً باطلاً، أو بلا سلطان، أو لعبة من لُعب الأطفال، أو إله من صنع أفكارنا المريضة. وليس من المنطق أن يكون الله الكلي العدالة رحمان وغفور رحيم فقط، دون أن يكون في الوقت نفسه شديد العقاب الأبدي أيضاً.

ومن صفات الله الجوهرية أيضاً المحبة اللامتناهية للإنسان، وهو بالطبع لم يخلق الإنسان أفضل خليقته ليكون مصيره الهلاك الأبدي في جهنم النار الأبدية، لذلك لأجل هذه المحبة العظيمة للانسان أراد إنقاذه ومنحه المغفرة والرحمة الأبدية. فللتوفيق بين العدالة الأبدية والرحمة الأبدية ظهرت الحكمة الإلهية، عندما تدخَّل الله بنفسه بكل المحبة لحل هذه المشكلة الخطيرة، والتي يعجز أي إنسان أو ملاك في حلها. فالله القدير الذي ليس له جسد يقدمه كفدية عن الإنسان المجرم تجسد بروحه في شخص المسيح، في العذراء الطاهرة، المصطفاة والبتول مريم، حتى يشارك الإنسان في اللحم والدم، وهكذا اتحد اللاهوت بالناسوت (الله بالإنسان).

واستطاع الإنسان المعاصر أن يجسد الإنسان وكل المخلوقات الحية في الهاتف والتلفزيون والسينما والفيديو والكومبيوتر، فهل يعجز الله القادر على كل شيء أن يجسد روحه في صورة إنسان حقيقي قدوس كالمسيح؟ ولقد اعتاد الناس بعد انتشار الأقمار الصناعية أن يروا مقدم البرامج، أو مباراة كرة في استاد كبير فيه آلاف الناس في نفس اللحظة، سواء في أمريكا أو البرازيل وخلافهم، مجسدين أمامهم حقيقة وليس خيالاً أو مجرد صورة، في ملايين من أجهزة التلفزيون، وفي آلاف من مدن العالم. فهل يعجز الله القدير أن يكون في السماء وفي نفس اللحظة يُجسد نفسه في صورة إنسان حقيقي على الأرض كالمسيح القدوس؟

ومن صميم العقيدة المسيحية عند كل الطوائف المسيحية أن السيد المسيح هو إنسان متميز عن كل إنسان وهو مولود غير مخلوق، وله طبيعتان في شخصية واحدة، طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية (أي إنسانية) فهو إله قدوسُ متجسد وإنسان طاهر قدوسُ في نفس الوقت (وهذه هي المعجزة الكبرى).

وهناك آيات في الإنجيل تصف المسيح القدوس (والذي بالطبع لا يحمل جينات وراثية من آدم)، أنه كان صورة أو نسخة متجسدة من الله غير المنظور«هو (المسيح) صورة الله الذي لا يُرى.هو كائن قبل الخليقة. به خُلق الله كل شىء ما فى السماوات وما على الأرض ما يُرى ومالا يُرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق. الذى هو قبل كل شىء وفيه يقوم الكل» (كولوسي 1: 15 17). وفي فيلبي (2: 6، 7، 10) «الذي (المسيح) إذ كان في صورة الله ومعادلاً لله، لكنه أخلى نفسه (أي تواضع) آخذاً صورة عبد (صورة إنسان) صائراً في شبه الناس، وأذ وجد فى الهيئة كانسان وضع نفسه (أى ضحى بنفسه حباً) وأطاع حتى الموت موت الصليب، .. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض (في الماء)». وجاء في عبرانيين (1: 2، 3) و«الذي جعله الله (أي لمسيح) وارثاً لكل شيء، والذي به عمل العالمين. هو ضياء مجد الله وصورة جوهره (صورة منظورة لله)، (وهو) يحفظ الكون (كله) بقدرة كلمته».

وهذا يعني بالطبع أن المسيح (كلمة الله) لم يكن إنساناً عادياً مثل كل الناس بل هو في الحقيقة قد كان، هو نفسه الله القدوس وكلمة وعقل وحكمة وروح الله المتجسد، والذي حباً في الإنسانية الهالكة حتماً، نسل آدم الفاسد، والمحكوم عليه هو ونسله بالموت الأبدي، إذ تنازل وتواضع متجسداً في صورة إنسان كامل بلا عيب أو خطية، ليفدي حباً بموته الكفاري البشرية من الهلاك الأبدي.

لذلك عندما صُلب المسيح على الصليب كذبيحة مقدسة بالنيابة عن البشرية كلها تحققت العدالة الإلهية. وبهذا العمل العجيب يكون الله قد أخذ القصاص على نفسه بالنيابة عن البشرية كلها حباً وفداءً لها ليوفي هذه العدالة الإلهية أولاً قبل أي شيء آخر. وهكذا استطاع المسيح أن يسدد لله دين الموت الروحي الأبدي عن كل إنسان، وفي نفس الوقت تجلت المحبة الإلهية العظيمة للإنسان، إذ رضي المسيح الإنسان الوحيد الطاهر القدوس عن طيب خاطر، حباً للإنسانية كلها، أن يكون كبش الفداء والفادي الإلهي، وأن ينوب بالموت (المؤقت) عن البشرية كلها، حتى يوفي العدالة الإلهية أولاُ قبل كل شيء آخر.

وهذا يذكرنا بمحبة الله عندما أرسل الله خروف الضحية من السماء في الوقت المناسب لخليله النبي إبراهيم ليفدي به ابنه الوحيد إسحاق (المتبقي بعد أن طردت زوجته سارة جاريتها هاجر وابنها إسماعيل من إبراهيم) من الذبح، والحرق، والهلاك. وكان هذا في جبل المُريا، وهو نفس المكان الذي صلب عليه المسيح فيما بعد خارج مدينة القدس (أي في نفس مكان شجرة معرفة الخير والشر التي كانت في وسط الجنة). وهكذا أصبح المسيح هو الذبح العظيم الحقيقي (حمل الله الحقيقي كما سماه النبي يوحنا المعمدان أي النبي يحيى) الذي أرسله الله للعالم ليُذبح على مذبح الصليب حباً وكفارة حقيقية للبشرية كلها، لينقذها من عبودية الخطية والشيطان، ومن الموت الأبدي في جهنم النار الأبدية في يوم الحساب في اليوم الأخير الرهيب.

وهذا شبيه أيضاً بقاضي عادل بعد أن أصدر حكم الموت على أخيه القاتل. إذ قام وخلع رداء القضاء مؤقتاً ثم ذهب ودفع الدية الكبيرة من ماله الخاص عن أخيه القاتل الفقير الذي يحبه، ليبرره ويحرره من الحبس وينقذه من الإعدام، ثم رجع ولبس رداء القضاء مرة أخرى وعاد إلى مكانه في منصة القضاء. وهكذا ينال هذا القاتل حياة جديدة. وهكذا ينال الإنسان الصفح والغفران بالإيمان فقط دون أن يفعل أي شيء. وعندما يقبل الإنسان أيضاً هذا العمل العظيم الذي تم على الصليب يمزق صك الدينونة الذي كان كالسيف الأبدي مسلطاً فوق عنقه. (ومن المُمكن أيضاً أن يرفض قبول وتمزيق الصك، فيكون مصيره بالطبع جهنم النار الأبدية).

وهذه القوة والحكمة الإلهية ذكرت كما تنبأ بها بنو قورح منذ حوالي 900 سنة تقريباً ق.م، في (مزمور 85: 10) «الرحمة والحق (العدالة) تلاقيا. البر(التبرير) والسلام تعانقا (على الصليب)».

4- الصليب ومحبة الله:

أساس الصليب هو إظهار محبة الله العظيمة التي لا تدانيها أية محبة أخرى لكل إنسان من بنى آدم، منذ أول الخليقة، خاصة بعد أن أخطأ آدم وحواء أبوانا الأولان ورفضا الاستماع لوصية الله، ويعتبران قد سرقا من الشجرة المحرمة والممنوعة التي كانت في وسط الجنة، بل استمعا لإبليس (الحية القديمة)، وبخدعة شيطانية حربية استطاع الشيطان أن يجعلهما يأكلان من هذه الشجرة المحرمة، وهكذا استطاع أن يأخذ السيادة والرئاسة من آدم بعد أن كانت له كل السلطة على الأرض والمخلوقات كلها، إذ قال الله: «لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا فيتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل الأرض والمخلوقات كلها، وعلى كل زاحف يزحف عليها» (تكوين 1: 26).

وكلمة متسلط ترجمت في الإنجليزية بكلمةMASTER ، أي سيد أو ملك أو سلطان. وهكذا أصبح الإنسان بعد أن كان له المُلك والسلطان على الأرض والسيطرة على كل كنوزها، وأيضاً على المخلوقات كلها، عبداً للشيطان يطيعه، ولا يستطيع أن يطيع الله. وفي (متى 4: 8 و9) (ولوقا 4: 6 و7) (ويوحنا 14: 30) وآيات أخرى كثيرة في الإنجيل نعرف أن الشيطان، والذي هو مخلوق روحي لا نستطيع أن نراه قد أصبح الرئيس الروحي والنفسي والفكري لهذا العالم، وكذلك أصبحت إرادة الإنسان تحت سيطرة الشيطان منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

فالله المحب لينقذ الإنسان ويحرره من عبودية الخطية والشيطان تنازل عن عرشه السماوي، وحل بالروح القدس في بطن العذراء الطاهرة البتول مريم كما جاء في الإنجيل في (لوقا 1: 35) ليأخذ جسداً بشرياً ويشاركنا في اللحم والدم، حتى يستطيع أن يموت ويدفع الثمن أي الدية (وهو ثمن خلاصنا من سيطرة الشيطان، ومن الهلاك الأبدي ) بذبحه كالحمل البريء على عود الصليب. «وأعلموا أن المسيح قد دفع الفدية (أي الدية) ليحرركم من سيرة حياتكم الباطلة التي تقلدتموها (بالوراثة) من آبائكم. وهذه الفدية لم تكن شيئاً فانياً كالفضة أو الذهب، بل كانت دماً ثميناً، دم المسيح، ذلك الحمل الطاهر (حمل الله) الذي ليس فيه عيب أو دنس» (بطرس الأولى 1: 19 ترجمة تفسيرية).

وكما جرت العادة أن يدفع الفدية أو الدية إنسان بريء خارج السجن، هكذا كان المسيح هو الإنسان الوحيد البريء الذي جاء من خارج العالم ليدفع الفدية أو الدية، كما قال المسيح لمحاوريه من اليهود: «أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق (من السماء). أنتم من هذا العالم (الترابي) وأما أنا فلست من هذا العالم» (يوحنا 8: 23).

وجاء في الإنجيل عن محبة الله: «ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة (مجرمون) مات المسيح لأجلنا (لينقذنا من جهنم النار في اليوم الأخير)» (رومية 5: 8). وفي يوحنا (3: 16) قال المسيح القدوس الآية الذهبية، التي كان الفضل فيها لخلاص أعتى الخطاة وأولهم اللص التائب الذي صلُب بجواره، والذي سُمي أول من سرق الفردوس في العهد الجديد، إذ قال له المسيح على الصليب: «الحق أقول لك اليوم تكون معي في الفردوس» (لوقا 23: 43). وهذه الآية الذهبية هي «هكذا أحب الله العالم ( كله) حتى بذل (ضحى على الصليب) ابنه الوحيد (وليس ابن آدم) لكي لا يهلك (في جهنم النار في اليوم الأخير) كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (في ملكوت الله)» ( يوحنا 3: 16).

وقد وصف المسيح المحبة الحقيقية بهذا الوصف في (يوحنا 15: 13) إذ قال ما معناه «ليست هناك محبة أعظم من هذه: أن يضحي أحد بأغلى شيء عنده، ولو كانت حياته الثمينة من أجل إسعاد أو إنقاذ من يحبه». وكثيراً ما نرى هذه المحبة المضحية في مخلوقات الله، فقد تضحي الحيوانات والطيور أيضاً بحياتها حتى الموت لإنقاذ صغارها إذا تعرضوا للخطر، وهذا النوع من الحب يسمى الحب الروحي.

وفي (يوحنا 3: 17، 18) قال المسيح أيضاً: «لأنه لم يرسل الله ابنه للعالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان (منذ لحظة إيمانه، وإلي اليوم الأخير). والذي لا يؤمن به قد دين (منذ الآن إلي اليوم الأخير) لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد».

ونلاحظ في هذه الآيات أن الله الذي هو روح (واحدٌ أحد) كما قال المسيح بنفسه في إنجيل (يوحنا 4: 24) «الله روح (واحدٌ أحد)..» يلد بالروح لا بالجسد، والله القدوس كما يذكر الكتاب، رغم أنه مكون من روح واحد فقط ولكن في جوهره هو مكون من ثلاثة أقانيم، ذات الله، والكلمة (ال LOGOS أو عقل وحكمة الله)، والروح القدس، وليس له جسد مادي ولا نستطيع أن نراه أبداً لأنه قدوس طاهر ونار آكلة وساكن فى نور لايدنى منه كما يسميه الكتاب المقدس. والذي يراه يحترق ويموت في الحال كما قال الله لموسى النبي كليمه عندما طلب أن يراه في (خروج 33: 20) «لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان الذي يراني لا يعيش».

ونحن لا نستطيع أن نعرف كيف ومن أين جاء، ولكن الله أعطى كل إنسان عقلاً ومنطقاً وفكراً يعرف أنه رغم أننا لا نراه فهو موجود حقيقة، (بالضبط كما أننا لا نستطيع أن نرى الهواء والأكسجين ولكنهما موجودان، ونحن لا نستطيع أن نستغني عنهما لحظة)، وأنه قد خلق كل شيء من العدم بواسطة الكلمة ال LOGOS (عقل الله الخالق وهو الأقنوم الثاني من اللاهوت) والتي خرجت منه، إذ قال الكلمة كن فكان وصار كل شيء حقيقة نحسها ونلمسها بحواسنا، والذي هو المسيح كلمة الله الأزلي والسرمدي (أي ليس له بداية أو نهاية مثل الدائرة أو الكرة) قبل التجسد.

اقرأ عن إثبات وجود الله في الصفحات القادمة. وكلمة أقنوم ليست عربية، وتعني تعيين.

وكل مؤمن بخلاص المسيح يولد ثانية بالروح كما جاء في (يوحنا 1: 12) «أما الذين قبلوه (أي قبلوا المسيح)، أي الذين آمنوا باسمه فقد منحهم الحق في أن يصيروا أولاد الله، وهم الذين ولدوا ليس من دم ولا من رغبة جسد، ولا رغبة بشر، بل من روح الله» (ترجمة تفسيرية).

وفي (يوحنا 3 :3 6) وآيات أخرى كثيرة نجد نفس الكلام، فالولادة نوعان، ولادة روحية وولادة جسدية. وهكذا نحن نرى أن في المسيحية ما يدعى بالولادة الثانية الجديدة (أي الولادة من روح الله من فوق). وقد يولد الإنسان بالروح حتى وهو شيخ، بمجرد أن يؤمن بصلب المسيح وموته الكفاري بديلاً عنه، ودفنه، وقيامته من الأموات منتصراً على الموت في فجر اليوم الثالث من أجله ومن أجل خطاياه. والمسيح هو ابن الله بالروح الوحيد وليس ابناً لآدم (كلمة الله المتجسد الوحيد)، والذي سيرث كل شيء.

أما المؤمنون في العهد الجديد فيدعون أولاد الله بالتبني وسيرثون أيضاً معه. ولذلك يبدأ كل المسيحيين في العالم صلواتهم بقولهم «أبانا الذي في السماوات» (وهذه أحبُّ جملة عند الله يقولها إنسان) كما علمهم المسيح. ولذلك يعتقد المسيحيون المؤمنون أن الله لم يخلق الإنسان ليعبده كالعبد الذليل. فالله لا يحتاج إلى عبيد لأنه مستغنٍ كل الاستغناء. بل هو خلق الإنسان ليكون ملكاً على الأرض وعلى المخلوقات التي فيها، وليجعل منه ابناً يحبه ويكرمه ويمجده ويشكره ويتحاور معه في محبة عائلية، ويطيعه طاعة أبناء أحباء، وليس طاعة عبيد، ويهابه ويحترمه كما يهاب ويحترم الأبناء آباءهم. وكما أن الملوك وكل الناس تقريباً وأيضاً كل المخلوقات الحية، يرغبون أن تكون لهم عائلات كبيرة، هكذا الله (الآب الإلهي) يرغب أن تكون له عائلة غير محدودة من بني آدم، ومن كل القبائل والأمم والشعوب، ويا ليت الكل يدعونه: يا أبانا السماوي، الذي أرسل المسيح ليكون أخانا الكبير المحب، فتنازل وتواضع وشاركنا في اللحم والدم، وهو أيضاً صديقنا الوفي الذي ضحى بحياته حباً على الصليب لينقذنا من سيطرة الشيطان، ومن الهلاك الروحي الأبدي في جهنم النار في اليوم الأخير.

وجاء في رسالة يوحنا الأولى (4: 8 10) عن المحبة «ومن لا يحب لا يعرف الله لأن الله محبة. وبهذا أُظهرت محبة الله فينا: أن الله أرسل ابنه الوحيد (وهو ليس ابناً لآدم) كفارة لخطايانا».

والكفارة معناها الستر (COVER) أو تغطية عورة الإنسان الخاطئ بجلد الذبيحة الحيوانية. وقد ستر المسيح عورة كل من يؤمن بالدم الطاهر المسفوك على الصليب. وعندما يرى الله كفارة المسيح بالدم على المؤمن يغفر له كل خطاياه الماضية والحاضرة والمستقبلة منذ لحظة إيمانه وحتى اليوم الأخير، كما جاء في الإنجيل في (عبرانيين 10: 17) «ولن أذكر خطاياهم وتعدياتهم في ما بعد (منذ لحظة إيمانهم وإلي اليوم الأخير)». وجاء في (مزمور32: 1) «طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته (بدم المسيح) ولن يحسب الله له خطية (منذ لحظة إيمانه إلي اليوم الأخير)». وفي (مزمور 103 : 12) «كبُعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا (كلها إلي اليوم الأخير)». (وفي إشعياء 43: 25) «أنا هو الماحي ذنوبك (أيها المؤمن) من أجل نفسي (منذ لحظة إيمانك وإلي اليوم الأخير)». وفي (سفر ميخا النبي 7: 19) «وتُطرح في أعماق البحر جميع خطايا المؤمنين (منذ أول يوم آمنوا فيه إلي اليوم الأخير)».

وقال الله على فم موسى النبي عن الكفارة «لأن نفس الجسد هي في الدم، لهذا وهبتكم إياه على المذبح لتكفروا عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس (الخاطئة)» (لاويين 17: 11) ترجمة تفسيرية. وفي (عبرانيين 9: 12 22) جاء «فإلى قدس الأقداس (أقدس مكان في السماء حيث الله جالس على عرشه!) دخل المسيح مرة واحدة، حاملاً دم نفسه، لا بدم تيوس وعجول وخراف. وذلك بعد أن سُفك دمه (على الصليب) عوضاً عنا. فحقق فداءً أبدياً.. فالشريعة توصي بأن يتطهر كل شئ بالدم (والذي يرمز إلى دم المسيح الطاهر). ولا غفران (أي كفارة للنفس الخاطئة) إلا بسفك الدم».

ولن يغفر الله الخطايا إلا بالاعتراف وقبول سفك دم المسيح على الصليب بالنيابة عن الإنسان الخاطئ. لذلك يعتبر دم المسيح الطاهر كالرصيد الأبدي في بنك الله الأبدي، والذي بواسطته يستطيع المؤمن أن يسدد كل ديونه كلما أراد من الخطايا المتكررة التي يعملها بالقصد أو بالسهو هنا على الأرض بالاعتراف بها في صلاته لله، وأيضاً هو الرصيد الكافي لسداد ديونه من الخطايا بالكامل في اليوم الأخير.

ملاحظات هامة:

(1) هل الله موجود؟ وبالطبع الإجابة هي: نعم، وهناك ملايين الأدلة على وجوده، كما قال الله في (إشعياء 40: 26) «ارفعوا إلى العلاء عيونكم (أيها الناس)، وانظروا (جيداً) من خلق هذا الكون؟». فمن أسرار الكون التي لا زالت تحير العلماء أن كرتنا الأرضية وزنها 6.600 مليون مليون مليون طناً (والطن يساوي 1000 كجم). ورغم هذه الضخامة فهي سابحة وطائرة فى الفضاء بسرعة أسرع من سرعة الصوت، وبكل دقة وبدون طاقة محركة معروفة لدينا (كالبنزين أو الكهرباء.. إلخ) وبدون ضوضاء. فهي تدور حول نفسها مرة كل يوم من الغرب إلى الشرق عند خط الاستواء بسرعة ألف ميل في الساعة، أي تقطع 24 ألف ميل كل يوم (الميل =1.6 كلم)، أي نحن غير ثابتين على هذه الأرض، بل في الحقيقة نسافر يومياً 24 ألف ميل لنصل إلى نفس المكان الذي بدأنا منه رحلتنا كل يوم، وفي نفس الوقت هي طائرة بسرعة خيالية، وهي تدور بكل هدوء وبدون طاقة معروفة لدينا أيضاً، وبكل دقة حول الشمس مرة كل 365.25 يوم (لا تزيد أو تنقص) أي في كل سنة بسرعة 64800 ميلاً في الساعة، أي هي تسافر كل سنة ونحن معها بالطبع وتقطع أكثر من 567 مليون ميلاً كل سنة في دورانها حول الشمس، ولكن نحن لا نعود إلى نفس المكان في الكون الذي كنا فيه أولاً، فقد نبعد ملايين الأميال من ذلك المكان، لأن كل شي في الكون يتحرك بسرعة كبيرة. والشمس أكبر من الأرض 109 مرة وتبعد عنها 93 مليون ميلاً، ويصلنا الضوء منها بعد 8 دقائق، وهي أثقل وزناً من الأرض 333000 مرة. وهي أيضاً سابحة وطائرة فى الفضاء مع مجموعتها الشمسية بكل دقة ونظام هندسي، لا يزال يُحير علماء الكون، حول شيء آخر في طرف مجرتها (درب التبانة) بسرعة 50400 ميل في الساعة.

ورغم أن الشمس نيران شديدة جداً، وقد تصل درجة حرارتها في مركزها حوالي 15مليون درجة مئوية، فهي لم تحترق وتصبح رماداً، كما يحترق أي شيء هنا على الأرض، رغم أن عمرها مع الأرض والكون كله كما يقول العلماء حوالي 6.000 مليون سنة أي 6 بليون سنة. ويدور القمر بكل دقة حول الأرض أيضاً من الغرب إلى الشرق مرة كل 29.5 يوماً. وهو يبعد عن الأرض حوالي ربع مليون ميل، ولذلك هو أقرب الأشياء إلينا التي نراها في الكون.

ويوجد في مجرتنا واسمها درب التبانة MILKY WAY 100.000 مليون نجم، أي 100 بليون شمس أخرى ويوجد أكثر من 1000 مليون (أي بليون) مجرة أخرى في الكون، وكل مجرة فيها نفس العدد من النجوم تقريباً. وأقرب مجرة إلينا اسمها أندروميدا (ANDROMEDA) وهي تبعد عن مجرتنا أكثر من مليون ونصف سنة ضوئية، والسنة الضوئية هي ما يقطعه الضوء في سنة، وسرعة الضوء هي 168000 ميل في الثانية الواحدة، أي نحن لو ركبنا صاروخ طائر بسرعة الضوء (وهذا مستحيل تقريباً) سنصل إلى هذه المجرة القريبة إلينا بعد مليون ونصف سنة ضوئية، ونكون قد قطعنا أكثر من 7947072 مليون مليون ميل.

وأكبر مجرة في الكون اسمها مجرة أبل 2029 وقطرها يبلغ 506 مليون سنة ضوئي (وهذه حقائق علمية ثابتة وأكيدة، يمكنك التأكد منها أيها القارئ عن طريق الكومبيوتر والإنترنت).

فمن أين جاء هذا الكون الجبار الذي هو في حركة خيالية دائمة وهو يتحرك بنظام دقيق لا يزال يحير علماء الكون، وكأنه يتحرك بكمبيوتر إلهي؟ فهل جاء عشوائياً أو جاء من العدم؟ وهل يمكن أن اللا شيء يخلق شيئاً؟ أو هل يمكن أن يساوي الصفر واحداً؟ أو هل يمكن أن يكون السبب من شيء انفجر فجأة كما يقول بعض العلماء في النظرية الجديدة، والتي تحاول أن تثبت أن الكون لم يخلق، بل كان السبب هو انفجار كوني BIG BANG كما يقولون، وتنفي وجود إله خلق هذا الكون، والتي تدّعي أيضاً أن الكون قد تكوَّن في ثلاث دقائق فقط من شيء انفجر فجأة؟ والسؤال المنطقي الذي يمكن أن نسأله هو: من أين جاء هذا الشيء الضخم جداً، الذي انفجر فجأة، ومن خلقه؟ وهل جاء عشوائياً بالصدفة أو جاء من العدم؟

وقد يطول الكلام عن الكون إلى ما لا نهاية، مما يجعلنا نخرج عن الموضوع الأساسي. ولكن ما ذُكر في هذا الخصوص هو أكثر جداً من إقناع أي إنسان عاقل بوجود الله. ولقد قال الله في (إشعياء 1: 3) «الثوريعرف قانيه، والحمار يعرف معلف صاحبه». فهل من المنطق أيها الإنسان العاقل أن يكون الثور والحمار أفضل منك؟

وجاء في مزمور 1:14 على فم النبي داود الملك «قال الجاهل في قلبه: لا يوجد إله..». فهل أنت جاهل أم عاقل؟

وبالطبع ليس الكون هو الدليل الوحيد على وجود الله، فهناك أيضاً أدلة أخرى لا تُحصى.

(2) شعب الله المختار كان بنو إسرائيل في القديم هم الشعب المختار، وهم من عائلة النبي يعقوب (أي إسرائيل) ابن إسحاق ابن إبراهيم الخليل. ولم يكن اختيارهم لأنهم شعب مُتميز عن باقي الشعوب، بل كان اختيارهم من مطلق الحرية الإلهية في اختيار العائلة التي سيأتي منها ابنه الوحيد بالروح وكلمته وروحه المتجسد في صورة إنسان ليفدي البشرية. أما شعب الله المختار في العهد الجديد والحالي، هو كل من يؤمن ويقبل بالشكر خلاص المسيح من عبودية الخطية وسيطرة الشيطان، ومن الموت الروحي الأبدي في جهنم النار الأبدية في اليوم الأخير.

 

إلى الفصل الثاني إلى الفصل الثالث

إلىالأعلى

الى فهرس الكتب | الى الكتاب المقدس | الى مجلة النعمة | الى صفحة البداية | للمراسلة