قليلٌ من شهادتي من واقع حياتي

وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبواحياتهم حتىالىالموت الانجيل رؤيا يوحنا (11:12

ولدتُ في عائلةٍ مسيحية في بلدة مغدوشه التي تقعُ في منطقةٍ جبليةٍ قربَ مدينةِ صيدا-لبنان. وكان ذلك في ربيع ( 1916). عندما اصبحتُ في سنِ الدخولَ الى المدرسة, ادخلني والدي المدرسةَ الكاثوليكية الابتدائية في البلدة. وكان ذلك في السنة المدرسية لعام (1922-23) .

في سنة (1924) ادخلَ والدي أخي جميل, وهوأكبرَنا, الى دير المخلص في بلدةِ جون, صيدا- لبنان. ذلك, لانه كانت لابي رغبةً كبيرةً في تلك الايام في ان يرى احداً من اولاده الخمسة كاهنا في كنيسته الكاثوليكية المحبوبة. لكن الاقدارلم تساعد اخي الاكبر على تحقيق رغبة والدنا. اذ لم يدم وجوده في دير المخلص اكثرَ مما يزيدُ قليلا عن ثلاثِ سنوات. فلأمر اجهله ترك اخي الدير في صيف ( 1927) ورجعَ الى البيت . وفي تلك السنةِ عينَها ترك والدي البلدة واتجه مع العائلة, وكانت مؤلفة من والدتي وخمسة بنين-هم جميل, جورج, الياس, ابراهيم, وميخائيل - للسكن في بيروت.

في محلة المصيطبة في بيروت, حيث باتَ سكنَنَا, وضعني والدي عند نجارٍ لأتعلمَ المصلحة. وكان لي من العمرِ وقتئذٍ (11عاماً). ورحتُ اعملُ في ذلك المشغل تسعةَ اشهرٍ في السنة, وامضِّي اشهرَ الصيفِ مع والدتي في بلدة مغدوشه لاساعدها في قطف الزيتون والتين من الحقل الذي كنا نملكه هناك, بالاضافة الى مساعدتي البيتية لها.

فرصه جديدة للرجوع الى المدرسة

في أواخر شهر تموز من صيف (1930), وبينما كنت في البلدة لمساعدة والدتي في الحقل , قدم الينا من القدس اربعة كهنة كاثوليك افرنسيين, من المدعوين الآباء البيض, لاجراء امتحانات لتلامذة المدارس الكاثوليكية في المنطقة . اما القصد من ذلك فكان اخذ الناجحين بالدرجتين الاولى والثانية, وارسالهم الى مدرسة اكليريكية داخلية في القدس. وكان ذلك بالاتفاق مع مطران منطقة مدينة صيدا لاعطاء اولاد الطائفة فرصة ذهبية للسير في طريق الكهنوت الكاثوليكي. وكان اسم تلك المدرسة " مدرسة القديسة حنه, او الصلاحية , اوكما هي معروفة ايضا "بمدرسة الآباء البيض الافرنسيين". وهي, على ما أسمع,لم تزل معروفة بهذه الاسماء في القدس الى هذا اليوم .

وان لهذه المدرسة قيمة تاريخية وسياحية كبيرة في القدس والعالم المسيحي كافة. ففي باحتها الواسعة توجد بركة "بيت حسدا" التي يكتب عنها "الانجيلي يوحنا" انه كان لمياهها قوة شفاء عجيبة لكل من يلقى اولا في مياهها بعد تحريكها من الملاك مرة واحدة في السنة (راجع انجيل يو5: 2).

نجاحي في الامتحان

حصلت بمساعدة الرب على الدرجة الاولى في تلك الامتحانات. وكان رفيقي في النجاح صديق لي من بلدتنا هو نجيب حبيب الناشف . اذ فاز بالمرتبة الثانية. وبدا نجاحي ذاك وكانه جاء ليتمم من جديد رغبة والدنا الكبيرة في ان يصبح احد اولاده كاهنا.

ففي اوائل شهر ايلول من تلك السنة عينها (1930) تركنا بيروت متوجهين الى القدس . وكانت اقامتي في القدس قاسية من عدة وجوه. من هذه الوجوه عدم السماح لي بالرجوع لزيارة الوطن طيلة سبع سنوات كاملة, مهما كانت الظروف المدرسية والمعيشية قاسية هناك بما في ذلك المرض والموت.

تدخل الرب في حياتي

لكنني أستطيع ان اقول بكل امتنان لله, ان الرب الذي كان محضرا لحياتي برنامجا آخر, قد أبطل هذه العقود والشروط البشرية جميعها. يقول الانجيل في الرسالة الى كنيسة روميه الاصحاح ( 8: 28) : "ونحن نعلم ان كل الاشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده".

فانه ما ان مضى على اقامتي في المدرسة وقت قصير حتى فاجأني مرض مؤلم في ركبتي اليمنى اعاقني عن متابعة دراستي كالمعتاد. ومع ذلك حافظت على مستوى تحصيلي. اذ كان احد معلميَّ , وهو الراهب المسؤل عني , يأتيني بالفروض المدرسية الى غرفة المنامة الكبيرة التي كنت ملقى فبها ليلا نهارا. وبمساعدته هذه , استمرَّيت في نشاطي المدرسي وإحرازي الاولية في كل فصل. وقد بقيتُ على هذه الحالة ما يقرب من سبعة اشهر. ففي هذه الأثناء كانوا يتنقلونَ بي ما بين القدس القديمة والجديدة من طبيب الى طبيب, ومن مستشفى الىآخر للمعالجة.

الخبر بامكانية الرجوع الى لبنان وتاثيره عليَّ

لقدكان المناخ في مدينة القدس غير ملائم لمعالجة مرض الروماتزم الذي كنت اشكو منه. وبما إنني كنت ساصبح عالةً على المدرسة بعد وقت قصير, وبناء على نصيحة الاطباء, قرر المسؤلون بالرغم من القانون المرعي الاجراء في هذه المدرسة, ارجاعي الى بلدي بيروت-لبنان.

لم يكن وقع الخبر هيِّناً عليَّ في البداية عندما تلقيته من الراهب المسؤل, لانني لم اكن اتوقعه. فبكيت . فقدكنت ناجحا في تلك المدرسة التي احببتها من قلبي مع كل المشاكل الصحية التي طرأت عليَّ هناك. وقد اعتدتُ على جوها الحياتي بين رفقائي التلاميذ والاساتذة الرهبان المسؤلين عن التدريس فيها.

وهناك اصبحت ايضا ملماً باللغة الافرنسية, التي كنت أتلقى معظم دراستي فيها. كما وانني اصبحت اخاف على مستقبلي الصحي والعلمي. اذ بت متاكدا انه لن تكون لي عودة الى المدرسة بعد تركها في القدس, فضلا عن خشيتي من عدم توفر العلاج بعد عودتي الى لبنان بسبب وضع عائلتي المالي الصعب.

ففي حالة كهذه كنت سأصبح عالةً على اهلي ومجتمعي الى نهايةِ حياتي . وعلاوةً على هذه جميعها, بات السؤال الذي يدور في نفسي , كيف سيكون وقع الخبر على اهلي في لبنان, الذين كنت قد طمأنتهم في رسائل عدة ان كل شيء سائر على ما يرام .

ولكن مع كل هذه الافكارالمؤلمة التي راودتني في تلك الساعة واحزنتني وابكتني , قبلت الواقع بالصبر والدموع . وقلت للراهب المحب الذي كان مسؤلا عني افعلوا ما ترونه مناسباً.

ابتداء التخطيط للرحوع الى الوطن

في الاسبوع التالي , وفيما كنت لم ازل طريح الفراش في غرفة المنامة الكبيرة, جاءني هذا الراهب المسؤل وطلب الي التوقيع على طلب تنازل واسترحام لترك المدرسة ومن ثم ارساله الى اهلي في لبنان بغية توقيعه وارجاعه الى المدرسة, ففعلت.

الرجوع الى الاهل في لبنان

بعد مضي بضعة اشهر, وفيما انا خارج من الكنيسة لحضور الدرس الديني الاول في ذلك الصباح الجميل, اذ كانت حالتي الصحية تسمح لي بذلك, رأيتُ ذلك الراعي المحب واقفا بجانب الطريق رافعا يده, وكأنه ينشد شيئاً يريده ان يبقى مخفياً عن الاخرين. ولما التقى بصرانا, شعرت بانني ضالته المنشودة. ولما اطمأن إلى انني قد رأيته أومأ اليَّ بعينيه دون ان يحركَ رأسه. فشعرت انه يريدني ان اتبعه, فتبعته ولاحظ ذلك مني. وبقي سائرا امامي مسرعا دون ان يلتفت الى ورائه, وكان وكأنه يسترق عمله استراقا, الى ان وصل بي اخيرا الى بابٍ كنت اجهله من قبل, فوجدتنا داخل بناية الادارة الرئيسية. فتحه بعجلة, وبعد ان التفت الى الوراء اشار اليَّ بابتسامة حزينة ان اسرع واخرج امامه .

واذ فعلت, وجدتنا داخل كراج المدرسة, المطل على الشارع العام الضيق, في وسط المدينة القدس. عندئذ اقفل الباب وراءه, وبكل هدوءٍ التفتَ إليَّ وقال بصوت حزين خافت , لقد قضي الامر بقبول طلبنا يا ابني , فانت الان في طريقك الى عائلتك في لبنان رافقتك السلامة. هذه ملابسك داخل هذه الحقيبة الكبيرة , وهذه لك في هذه السلة بعض الماكولات في الطريق. ومد يده الى جيبه الداخلية واخرج منها ظرفا وقال لي , خذ هذا الظرف ايضا يا ابني. يوجد في داخله بعض الدراهم القليلة لمساعدتك في الطريق ورسالة ايضا تسلمها الى مطران الطائفة حيث تسكن في بيروت. فهو دون شكٍ سيهتم بك ويساعدك. أوصيك يا بنيَّ أن تهتم بنفسك وفي مستقبلك. فلا تترك المدرسة فهي لامثالك. والرب يباركك. وبالسرعه التي ابتدأ معي بها في البداية تقدم اليَّ وقبَّلني . فقبَّلتُ يده وانا ابكي. فرََبَتَ بيده على كتفي بلطف,ٍ وقال لي بصوتٍ حزينٍ متهدج إطمئِن يا ابني , لا تخف ولا تبك اتكل على الله, وهو يدبر امورك. وبعد ان قدَّمني الى المسؤلين, في الناحية الاخرى من الكراج, واوصاهم بي قَفَلَ راحعاً. فناديته والدموع تملأ عينيً قائلا : يا ابي يا ابي اريد ان اودع نجيب الناشف رفيق دراستي, وإبن بلدي. فالتفت اليَّ بكل هدوء , وبصوت ملؤه الرزانة واللطف, واحابني هذا ممنوع يا ابني هذا ممنوع . وبعد ان اقفل الباب وراءه جيدا وبكل هدوءٍ اختفى عن نظري, ولم اره بعد ذلك الحين .

بقيتُ مسمراٌ في مكاني, والدموع تملأُ عينيَّ , الى ان وصلت السيارة اللبنانية وفي داخلها بعض من الركاب اللبنانيين .

استقليت السيارة التي اعادتني بمشيئة الله الى الوطن لبنان حاملاً معي من المسؤلين في المدرسة رسالة توصية الى مطران طائفتي الرومية الكاثوليكية في بيروت تنوِّه بذكائي واجتهادي وحسن سلوكي, وتحثه على مساعدتي للدخول الى احدى مدارس الطائفة في لبنان. الا ان شيئاً من هذا لم يحدث مع ان المطران تسلم مني الرسالة. وكانت هذه هي المرة الثانية التي لم تساعد فيها الاقدار والدي ان يرى احداً من اولاده كاهناً في طائفتهِ الكاثوليكية المحبوبة. لكنَّ هذه جميعها كانت من تخطيط الرب لحياتنا كعائلة. ذلك لانه لم يمض وقت طويل في لبنان حتى قبلت الرب يسوع المسيح سيداً ورباً على حياتي. وكان هذا سبباً لتجديد وبركة لمعظم العائلة .

شفائي والبحث عن عمل

عند رجوعي من القدس الى بيروت, ابتدأنا نفتش عن طبيب اختصاصي لشفاء ركبتي وتخفيف ألمي, لعلي استطيع متابعة رحلتي التاعسة في هذه الحياة . فوجدناه في محلتنا المصيطبه حيث كنا نسكن. هو الدكتور السلموني. وقد عالجني بواسطة خز الابر حول ركبتي اليمنى لمدة شهرين تقريبا فشفيت الحمد لله تماماً .

بدأت ابحث عن عمل, ما لبثت ان وجدته في المصلحة التي كنت قد تركتها قبل ذهابي الى القدس, وهي صنع الموبيليا. كان ذلك في معامل ضومط اخوان للمفروشات (حاووز الساعاتية بيروت ), وهو صديق حميم للعائلة. ولكي استطيع تعلم المصلحة بسرعةٍ اكثر , حيث انني قد اصبحت في سن متأخر , دخلت لاعمل في البدايةِ براتبٍ ضئيلٍ جداً. فلم يمضِ عليَّ اكثر من سنة واحدة , حتى اصبحتُ مُلِمّاً في تفصيل الموبيليا وجمعها,وعمل طبعات-موديلات-من الكرتون والمعاكس نقلا عن الكاتالوكات الاجنبية المتقدمة في ذلك الحين. وهذه الخطوات الاولية, كانت مهمة جدا, بالنسبة الى العمل في مصلحة الموبيليا, وادارتها في تلك الايام.

تدرجي في العمل وتسلمي مسئوليات اوسع وزواجي

في هذه الاثناء أتى الى مصنعنا مسؤول عن معامل بدوي شبارو للموبيليا في راس بيروت , وبعد ان تكلم مع صاحب المصلحة التي اعمل فيها, ووجه بعض الاسئلة الاولية اليَّ , تم الاتفاق على ان اكونَ مسؤولا عن قسم تفصيل الموبيليا وجمعها في ذلك المعمل . فَرُحتُ اعمل فيه لما يقرب من سنتين . بعدها انتقلتُ بمساعدة الرب وتدبيره الى معامل اولاد بطرس المشهورة بصنع الموبيليا في بيروت والبلاد العربية جمعاء.

وهكذا رحتُ اعمل هناك ايضا الى آخرسنة 1943. ففي هذه الاثناء ,كنت قد التقيتُ بالفتاة ورده خليل قسطنطين من بلدتنا مغدوشه. وبعد التعارف والتفاهم تزوجنا في( 19تشرين ثاني من سنة 1939), وقد رزقنا الله ابناً وابنةً هما انطوان وانطوانيت. وفي هذا الزواج ايضا عرفت ان الرب, مبارك اسمه, كان مهتماً بي ويقودني في طريق الايمان والاختبار والسعادة خطوة بعد خطوة وانا لستُ أعلم.

بعد قبولي المسيح مخلِّصًا

في صباح السادس من اذار من سنة ( 1944),كنت ذاهبا الى عملي والطقس ممطر. وعندما وصلت الى الشارع الرئيسي ( شارع مار الياس بطينا في محلة المصيطبه- بيروت ), ابتدَأَت الامطارُ تتساقطُ بقوةٍ عجيبةٍ جدا. فابتدأتُ بدوري التفتُ الى اليميِن والى اليسار, لعلي أجدُ مخرجاً من هذه الحالة المفاجئة المؤلمة. فان المظلةَ التي كنتُ احملها كادت تتكسرُ من الهواءِ والمطر. فوجدتُ عن يميني بابا مفتوحا لمحترفٍ صغير للاحذية فدخلته في الحال. واذا بصاحبه سليم الشاروق في داخله وبنسيبٍ من بلدتنا يعمل معه . وكان المعلم سليم يتكلمُ مع فَتاةٍ في الجانبِ الآخر من المحترف. وبعد التحيةِ والوقوفِ قليلاً غاضبًا مهمدراً نافضًا المياه عن ملابسي المبللة, بدأتُ الكلامَ بصوتٍ خافتٍ مع نسيبي مازحًا معه مقسماٌ بالله احيانا, وشاِتماٌ الطقس القاسي بهذا الشكل احيانا اخرى. متكلماٌ بكلمات واشاراتٍ ربما تبيَّنَ لصاحبِ المشغل انه لا يليقُ بي ان اتصرفَ بهذا الشكل في مشغله, وأمامَه بالذات. ولم اكن اعلمُ ان المعلم سليم ,صاحب المشغل, هو من المؤمنين بالله والمبشرينَ المعمدانيين المشهورين في تلك المحلة. اذ لم اكن اعلم وقتئذ ما معنى المعمداني ولا التبشير ايضا.

في هذه اللحظة رأيت هذه الفَتاة المسكينة, التي لم أرَعليها ذرةً واحدة من الانوثةِ والجمال, وقد خف المطرتفتح مظلتها وتتركُ المكانَ مودِّعة وتمضي. عندها وبينما رأيت صاحب المشغل, المعلم سليم الشاروق, منكبّاً على دفاتره لتصحيحها التفتُّ الى نسيبي وسألته عن هذه الفتاة وعملها. فاجابني بصوت خافت: هي فلانه من العائلة الفلانية في محلتنا وتعمل ممرِّضة. فقلت له مازحاً, بعد إن انحنيت تحوه قليلا, والمزاحُ وحبُ الضحكِ كانا من طبيعتي, ان وجهاً كهذا يا صديقي, لا يصلح ان تكونَ صاحبته, حسبما أرى, مُمَرِّضَة بل مُمْرِضَة. فانها عوضا من ان تساعدَ المريضُ على تركهِ المستشفى في حال شفائه,ِ أظن, انها بالاكثر ستساعدهُ على الاسراع الى ربه ولقائهِِ. وضحكنا سويةً.

هنا التفتُّ الىصاحب المشغل, لاعتذرَ منه وأتعرفَ به, وأرى تأثيرَ سماجتي هذه ووقاحتي عليه. لكنه سبقني بالكلام. وبكلِ بشاشةٍ حياني وقال لي: المعذرة يا صديقي لقد رأيتُ وسمعتُ معظمَ ما دار بينكما من احاديثٍ واشارات. أتسمحُ لي ان اتكلمَ معَكَ قليلا. فخجلتُ من نفسي وقلتُ له مبتسم: لا بأسَ يا صديقي اهلا وسهلا. وبعد التعارف المتبادَل, وسماعُ بعض الملاحظاتِ والنصائح القاسية, التي شعرتُ انها قد جاءت في مكانها, فتح هذا الرجل الكتاب المقدس واراني بعضاً من النقاط المهمة والمفيدة, بالنسبة لسلوكي وحياتي المسيحية. ومنها كما اذكرُ بعضٌ من رسالة يعقوب الرسول في الانجيل, الاصحاح الاول والعدد 26 حيث قرأ ما يلي : "ان كان احد فيكم بظن انه ديِّن وهو لايلجم لسانه بل يخدع قلبه فديانة هذا باطلة. الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والارامل في ضيقتهم وحفظ الانسان نفسه بلا دنس في العالم . وقادني المعلم سليم في قراءة اخرى من رسالة يوحنا الرسول الاولى (2: 4) يقول فيها رسول المسيح: "من قال قد عرفته (اي المسيح) وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحق فيه". كما أذكر انه قادني ايضا لقراءاتٍ اخرى من الانجيل لا اعودُ اذكرها. ولكنني استطيع ان اقول بكل صدق واخلاص , ان كلمات هذا الانسان ومحبته وطول أناته, التي لم أرى لها مثيلا, أخجلتني. وقد اثرت فيَّ الى حد بعيد. لكنني عوضا عن ان اشكره على محبتهِ وطول أناتهِ وأنا ضيفَه, وفي مكان عمله. اخذتُ ادافعُ عن نفسي دفاع المستميت. فقد شعرتُ من تصرفاتهِ وكلماتهِ, التي بدت لي معسولة انه مبشرٌ "بروتستنت".ومنذ طفولتي وأنا أكره هذه الطائفة من المسيحيين دون سبب.سوىكونِهم مبشرينَ.يحاربون الكنيسة الكاثوليكية بتوزيع اناجيلهم وكتبهم المجانية المحرفة دون حاجة اليها. هذا ما علق بافكاري من الماضي. فقلت له: ارجو المعذرة يا صديقي فانني لا أؤمنُ كثيرا بهذا الكتاب الذي بين يديك ولا حتى بآياته وتحدياته هذه, التي اشرتَ بها اليَّ.

بعد ان شعرتُ انني قد أسأتُ الى هذا الرجل بكلماتي الجارحة والغير لائقة هذه, وهو رجلٌ محترمٌ كبيرُ السن, وقبل ان يجيبني بكلمة, تابعتُ حديثي: لكنني اقولُ لك الحق يا صديقي, انني غيرَ مرتاحٌ البتة من تصرفاتي وعدم ايماني هذا. فعندما أذهبُ الى فراشي في المساءِ, تختلفُ الرؤى والمشاهدَ في افكاري. عندها أبتديءُ أحاسبُ نفسي وأسألُها: ان كان اللهُ ليس بموجودٍ, أو إنه خرافةٌ كما يظنُ البعض وانا واحدا منهم , فمن أتى بي إذاَ الى هذا الوجود, وأعطاني كل ما هو ضروريا لحياتي وسعادتي. أو من وضعَ فيًّ هذه المحبةَ المضحِّيَة لإمرأتي وأولادي, الذين أشعرُ إنني مستعدٌ أن اضحيَ بكلِ غالٍ ونفيسٍ, لكي اراهم سعداءَ بجانبي. من صنعَ هذه جميعها. أو من يستطيعُ صنعُها والاعتناء بها من يومٍ الى يوم. ومن جيلٍ الى آخر. وأموركثيرة أخرى يا صديقي, لستُ ارى لها مخرجا سوى الايمان بالله. ولكنني ارى من جهة ثانية, ان هنالك أسئلة أخرى لا أزالُ أسألُ بها نفسي, تعاكسُ هذا الايمان. فلستُ ارى في داخلي ما يقنعني يا أخي, الى حدٍ فيه ارتاحُ من اسئلتيِ هذه جميعُها. فانني لا استطيعُ الايمانَ باللهِ ولا أستطيعُ نكرانَه والتهرب منه. فما العمل اذاً يا صديقي. فإنني اتأرجحُ بين هذه وتلك. فانني محتاجٌ لانسانٍ نظيرك طويلُ الروح.وله معلوماتُكَ واختباراتُك .ليبحثَ معي هذه المواضيع الخطيرة بالنسبة لي. ولكن ليس من هذا الكتاب الذي بين يديكَ بل ايضا من الفكرِ والبرهان المعقول . اريدُ ان اعلمَ حقا هل يوجدُ الهٌ خالقٌ لكلِ هذهِ جميعها وثوابٌ وعقابٌ أبديين ؟. فان كان لديك يا صديقي إجابةً مقنعة لمثلِ هذه الأسئلة, فانا مستعدٌ ان اسمعَ لك حتى النهاية.

وبعد ان طمأنني هذا الانسان بكلِ بشاشةٍ بقوله: على الرحب والسعة يا بنيَّ, انا مستعدٌ ان أساعدك على قدر إستطاعتي بكل ما يفيدك في هذا الامر. فقلت له شكرا ولكن ليس الآن. فأنني ذاهبٌ الى عملي وقد تأخرت. ففي المساء آتي اليك مع الشكر. ومضيت. ولكن تاثير كلمات المعلم سليم وخياله لم يفارقانني طول ذلك النهار.

حضوري الاجتماع الانجيلي الاول وتأثري بشهادة احد الاخوة

ففي مساء ذلك اليوم عينه, رجعت الى محترف المعلم سليم الشاروق عند نهاية عملي, لكي اسمع من جديد كلماته الحلوة. واحس بمحبته وطول اناته وقد شعرت بهما في صباح ذلك اليوم . وعندما دخلت الى محترفه وجدته يتأهب للذهاب الى حضورِ اجتماعٍ في مكان معين, كان مدعوا للتكلم فيه, هوالمركز التبشيري للمستر أيشر, في ساحة الدباس. فدعاني للذهاب معه فذهبت.

وبعد العظة, التي لم تعنِ لي شيئا في ذلك الحين, سمعت شهادة المدعو الاخ شكيب مدور. وقد كانت شهادةً واقعيةً مؤثرة للغاية. وكلماتُه الحلوة وشخصيتُه, جعلاني اشعر انه يتكلم الصدق وبروح الايمان والاخلاص. فتأثرتُ جدا بقصة حياته الجديدة. وبعد نهاية الاجتماع والحديث قليلا حول موضوعِ العظة والشهادة, وأخذُ بعضَ المرطباتِ في قاعةِ الضيافة, رجعنا الى محترف المعلم سليم في محلة المصيطبة لمتابعةَ الموضوع. ذلك لأن المعلم سليم كان قد هيأ لي في ذلك النهار درسًا خاصًا.كانت الغاية منه إعطائي برهانا واضحا على وجود الله, والثواب والعذاب الابديين. وقد ارشده روح الرب الى ان يبتدىء معي في كتب الانبياء ونبؤاتهم.فأراني في تلك الليلة بعضا مماكتبوا وكيفية اتمامها في الوقت المعين.ومن هذه النبؤات التي كان لها أثرٌ كبيٌر في نفسي وحياتي, أذكرُ منها كتابةً في سفراشعيا النبي, عن ولادة المسيح, قوله: "ها العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا". وقوله أيضا: "يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام" (اش 6:9و14:7).فقلت لنفسي هذه جقيقة تاريخية لا أستطيعُ إنكارها.وقد اتفق الجميع عليها. فعليَّ إذاً, إما أن أنكرَ المسيحيةَ على الإطلاق, أو أعترف بها دون تردد. وكان من تاثير هذه المباحثة القيِّمة, التي استمرت ما يقرب من ساعتين ونصف الساعة. وشهادة المدور في اجتماع الكنيسة تلك الليلة. أقول الحق. انني قد وجدتُ الله بين انبيائه واولاده الذين يحبونه ويعبدونه بالحق. ويؤمنون بكلمته المكتوبة التي كنت بعيدا عنها, بسبب توغلي في الشرورِ والخطايا. عندها صمَّمتُ أن اتعرفَ على المسيح من جديد, وأتخذه مخلصا لي. وهذا ما ريَّحَ قلبي .

المفاجأة الجديدة لزوجتي ورفضها الموضوع من اساسه

تركت محترف المعلم سليم الشاروق وقد صممت ان أسيرَ في هذه الطريق الجديدة, وقد فتحها الرب أمامي في ذلك النهار حتى النهاية. وقبل ان اتركَ المكان حاول المعلم سليم الشاروق ان يهديني الكتاب المقدس. لكنني رفضت ان يكونَ مجانا فدفعتُالثمن. (فكان غرشا لبنانيا لا غبر) وذهبتُ لتوِّي الى بيتنا وقلبي ملآنٌ من الفرح, الذي لم اشعر به في حياتي من قبل. شاعرا بان حملا ثقيلا من الشكوكِ والخطايا قد فارقني. وحل مكانه ايمانٌ بالله وكتبه. ومحبة جديدة للرب دخلت قلبي. وفي ظني ان زوجتي ستكون مسرورةً بالمفاجأة الجديدة ايضا. ولكنَّ الأمور سارت عكسَ توقعاتي . فما ان دخلت البيت, الا وشعرت ان شياطينَ الارضِ جميعها, التي فارقتني في مصنع المعلم سليم الشاروق تلك الليلة وريَّحتني , سبقتني الى بيتي وصرخت في وجهي بلسان زوجتي قائلة : ما هذا الذي في يدك يا جورج ؟. فقلت لها مبتسماً, هو الكتاب المقدس يا وردة. لقد التقيتُ في هذا النهارِ برجلٍ من رجال الله القديسين وتحدث معي عن المسيح, وعن خلاصه الابدي, بكلمات جديدة مؤثرة للغاية.لم اسمعها من قبل. وقد ذهبتُ معه في هذا المساء الى حضور اجتماعٍ دينيٍّ ممتع. هنا قاطعتني زوجتي بغضبٍ لم أره فيها من قبل وقالت لي: هذا لا يدخل البيت ابداً يا جورج. وتابعت والدموع تملأ عينيها: لقد عرفته يا جورج. إنه كتاب بروتستنت مُحرَّف. ارجوك ياجورج. لقد اوصانا رئيس الجمعيه, التي أنا عضوة فيها, ان لا نقتنيه في بيوتنا مطلقا. ارجوك. وبعد الاخذ والرد والغضب. وبعض الصراخ الخافت. والخوف من وقوع شرٍ اكبر. تم الاتفاق فيما بيننا على ان نسمح لهذا الكتاب البروستنتي "الرخيص" بالدخول وقتياً الى بيتنا دون ايةِ ضجة. لكن عندما اريد ان اقرأ فيه, عليَّ ان اقرأ لنفسي فقط.

التفاهم والابتداء في حياة مسيحية نشيطة

ولكن شكرا للرب. إنه لم يمضِ علينا سوى اسبوعين, أو أكثر قليلا على ما أذكر, وقد رأت زوجتي حياتي الجديدة, والتغيير المفاجيء الذي طرأ على بيتنا.بتركي معظم العادات السيئة في ذلك الحين, تغيرت الحالة والحمد لله. خصوصا عندما رأتني مرارا كثيرة منكبًّا على دراسةِ كلمة الله الى ساعات متأخرة من الليل. عوضا عن الليالي التي كنت أصرفها مع اصدقائي خارج البيت الى الصباح أحيانا.في السكر والمقامرة وقلة الادب, وهي تعلم بها جميعها.

فهذا الامر أذهلها للغاية. فسألتني ذات يومٍ : ماذا حدث لك يا جورج؟, وما هذا التغيير الذي طرأ عليك. فقلت لها هو هذا يا وردة. وأريتها الكتاب المقدس. فعادت تسألني: ماذا هل انت أتفكر إن هذا الكتاب وحده يكفي لخلاصنا يا جورج. فان رئيس الاخوية في الكنيسة قد أنذرنا بقوله: إن هدا الكتاب وحده لا يكفي لخلاصنا.بل ان الخلاص يحتاجٌ الى ما فعلته الكنيسة الواحدة الجامعة,بواسطة رؤسائها وقديسيها. بوضعها كتباً ووصايا كنسية, وارشاداتٍ قيمة, نحتاجها لخلاصنا وليس هذا الكتاب المقدس فقط. فما قولك في هذا؟.

فقلت لها: أظن ان ما قاله لكم المحترم, هو عكس الحقيقة يا عزيزتي. فالانجيل هوكتابُ الله وسوف لا يحتاجُ الى مساعدةِ البشر. وسؤالك هذا عينه يا عزيزتي , قد سألته ذات يومٍ للمعلم سليم الشاروق ذاته, الذي اعطاني رسالة الخلاص. عندها قادني المعلم سليم الى بعض القراءات الضرورية لمثل هذا الموضوع الخطير, من كتابِ الله, تثبِّتُ ما قلته لك. وقد وضعتُ خطاً اسوداً في كتابي تحت كلٍّ منهم, انظري الآن. لنقرأها سويةً يا عزيزتي.

وفتحت كتابي الى تيموثاوس الاولى (:3و16). حيث يكتب الرسول هناك لتلميذه تيموثاوس ولنا من خلاله ايضا: "وانك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة ان تحكمك للخلاص بالإيمان الذي بالمسيح يسوع.كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر, لكي يكون انسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح". هذا وينصحنا الرسول ايضا حتى لا نفكر بأيَّةِ وسيلةٍ أخرى بها نستطيع ان نخلص سوى من كتاب الله. فيقول: "لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب كي لا ينتفخ احدٌ لاجل الواحد على الآخر" (1كو6:4) . ويكتب ايضا منذر غير المؤمنين فيقول : "إن كان انجيلنا مكتوما فانما هو مكتوم في الهالكين ,الذين فيهم إله هذا الدهر-أي الشيطان- قد اعمى اذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله" (2كو3:4و4). وليس هذا فقط يا عزيزتي, أنظري هنا ايضا حيث يكتب الرسول: "ان بشرناكم نحن او ملاك من السماء بغير ما قبلتم فليكن أناثيما. أفأستعطف الآن الناس أم الله.أم أطلب أن أرضي الناس فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدا للمسيح".

فإن هذه القراءاة وحدها يا عزيزتي على ما أظن, وهذه هي الحقيقة عينها, تدلنا على ان معرفة خلاصنا هي متوقفة على ما يقوله الروح القدس في كتابه, وليس على ما يكتبه البشر. وعلينا أن نطيع الله, ونقرأ في هذا الكتاب حيث خلاصنا. ولا نبحث عن وسيلةٍ أخرى سواه.

الى هنا, بدا لي ان زوجتي قد اقتنعت, بقراءاتنا هذه من الانجيل. إلاَّ أنها وجَّهَت اليَّ سؤالا آخرَ فيه تطلب كتابا مقدسا كاثوليكيا, مقابل الكتاب المقدس المهدى لي من المعلم سليم الشاروق بقولها: هل هذه القراءات جميعها موجودة في انجيلنا الكاثوليكي يا ترى ؟.

وقبل ان أجيبها بكلمة تابعت قولها : أنا لست أظن ذلك يا جورج. فانني لم اسمع قط بمثل هذه العبارات تتلى في كنيستنا. عندها رأيت من المناسب الذهاب الى مكتبة كاثوليكية,وابتياع إنجيلا ترضى به زوجتي. وبه نستطيع ايضا مقابلة النص. لنرى إن كان هناك اختلافا ملحوظا بسبب الترجمة بين الكتابين. وإذ فعلت. تيقَّنَت زوجتي لما قرأناه في الكتاب الاول "البروستنتي" وتغيرت الحالة. وقدكانت النتيجة موافقتها على القيامِ باجتماعاتٍ مسائيةٍ في البيت دون مجادلة. إلا إن هذه المقابلة بين الكتابين قد كلفتنا غاليا, إذ فاق ثمن هذا الأخير اربعون ضعفا عما كان عليه ذاك الكتاب البروستنتي الاول. وقد جاءت موافقة زوجتي هذه. بعد ان رأت الحقيقة انهالم تتغير في كلا الكتابين.وإن اختلفت أحياناً باختلافِ الترجمة,وبعض الاصطلاحات اللغوية والمحلية من لهجة الى أخرى, ومن كاتب الى آخر. لكنَّ هده الاختلافات للتعبير عن الحقائق الكتابية سوف لا يغيِّر معناها فعليناَ إدًا يا عزيزتي, قبل ان نقومَ باجتماعاتٍ مسائية في بيتنا, وهذا ما اتفقنا عليه من قبل, ان نُعلمَ أخاك وزوجته بالامر. فإنهما أصحاب البيت. وأظن إنهما لا يمانعان بذالك. وهذا ما حصل.

الابتداء في عقد اجتماعات مسائية في بيتنا

بعد هذا التقدم السريع في الموقف الجديد, ولله الشكر, فتحنا ابواب بيتنا للرب والذين يريدون ان يسمعوا كلمته. وبدأنا ندعو الاهل والجيران لحضور الاجتماعات الانجيلية في كل مساءٍ لدرس كلمة الرب, والحديث عن خلاصه المجاني. وكنت احاولُ في هذه الاجتماعات العائلية, اعادة نفس العبارات المؤثرة والمفيدة, التي كنت قد سمعتها من المعلم سليم الشاروق وغيَّرت حياتي. وكنت لم أزل أسمعها منه كل يوم. إذ اصبَحتُ اترددُ الى محترفهِ في كل سانحة. وهو, اي المعلم سليم الشاروق, كان قد جعل من محترفه الصغير,مكتبةً للقراءةِ والتبشير. عن خلاص الرب, وإعارت الكتب المفيدة للنمو في نعمة المسيح.

وقد ابتدأنا, زوجتي وأنا ندعوا لبيتنا هذا الانسان النشيط, المعلم سليم, في كل يوم جمعة مساءً من الاسبوع. وقد استخدمه الرب لبنياننا في المسيح والمسيحية الكتابية من جديد. التي كنت أنا قد هجرتها منذ زمان لسبب وحيد, هو انني لم اتعرف عليها جيدا عن كثب. فقد كنت مكتفياً بسماع صوت البشر, دون سماع صوت الرب من خلال كتبه والحياة بين أولاده.

وإنني أُعلنها على الملا بكل فخرٍ واعتزازٍ في الرب, إنه قد بارك بيتنا وعمل معنا. إذ أعطانا نفوساً غالية وعزيزة على قلبه. وعلى قلوبنا. نتيجةً لهذه الخدمة المتواضعة في البيت. فقد كتب لنا الرسول يعقوب مشجعا: "أيها الاخوة إن ضل أحد بينكم عن الحقِ فردَّه أحد فليعلم أن من ردَّ خاطئاً عن ضلال طريقه يخلِّصُ نفساً من الموت ويستر كثرةً من الخطايا (يع29:5و30).فقد قبل خلاص الرب في بيتنا, ولله الشكر, نخبة من أقاربنا وجيراننا, منهم أولا: قزحيا قسطه فكان باكورة بيتنا. فهو أولُ من طلب فيه الرب. وخدمته المتواضعه الآن هي في كنيسته المعمدانية-شارع بدارو-فرن الشباك-بيروت. من ثم تبعه الاخ الأمين للرب, بطرس واكيم الناشف . ولم يطل الوقت حتى اعلنت زوجتي بفرحٍ شديد, ايمانها الجديد, وخلاصها الاكيد. بالمسيح. وقدكان ذلك في (25) نيسان من تلك السنة عينها(1944), إذ إنها الى ذلك الحين كانت لم تزل مترددة, في قبول هذا الطريق الجديد, بالنسبة لها. مع انها وافقت في البدايةِ دون صعوبة كبيرة, على قيام اجتماعاتٍ تبشيريةٍ إنجيلية في بيتنا, كما ذكرنا اعلاه.

وقدكان فريد قسطه مترددا في البدايةِ عن قبول الرب في حياته, بسبب ضياعه في التعاليم الغريبة عن كلمة الله. من سبتية ويهوهية وبهائية وغيرها. ولكن للرب الشكر, فقد كان هذا الفريد مواظبا على حضور الاجتماعات المسائية في بيتنا. وقد قبل فريد الرب أخيرا في الثاني من أيار 1944ورفض التعاليم المضللة. من ثم بعد عناءٍ طويل سلم حياته للرب,

ويأتي أخيراً رزق الله حنا قسطنطين, وهو ابن صاحب البيت حيث نسكن. وأبن أخ زوجتي. وقد سُيِّمَ قساً وراعيا لكنيسة بكفيا الانجيلية المعمدانية فيما بعد.

وكان في رعاية الكنيسة آنذاك قسَّانِ معمدانيان, هما القس سعيد الجريديني, والقس المحامي نجيب خلف. الذي لم يسعدنا الحظ بالشركة معه وسماع عظاته الشيقة والمفيدة,سوى بضعة اشهرٍ. إذ انتقل باكرا, الى الأمجاد السماوية, ليكون مع سيده المسيح. الذي خدمه طيلة ايامه بأمانةٍ وإخلاص . وكان هذا الحدث المؤلم الذي فاجيء الكنيسة ولبنان عموما, في أوائل شهر تموز من تلك السنة عينها. عن عمر لا يتجاوز (62عاما). وقدكان هذا القس الفاضل آنذاك, نقيبًا ناجحًا للمحامينَ في لبنان.

الابتداء في حفظ يوم الاحد والاجتماع مع الاخوة في الكنيسة

عندما اصبحنا ستة اعضاء في بينا مكرسين للرب, قررنا الذهاب, في صباح أيام الآحاد, لعبادة الرب مع أولاد الرب في كنبسة الرب. وكان ذلك في شارع "جان دارك",تجاه الجامعة الاميركية في رأس بيروت, وفي بيت القس سعيد جريديني بالذات.إذ إن المركز الإرسالي المعمداني في ذلك الحين كان في بيته . وفي أُمسيات الآحاد كنا نذهب جميعنا لحضور الاجتماع المسائي في بيت الاخ "سليم الشاروق" إذ كان هذا الأخير ايضا مركزا للرسالة المعمدانية في محلة المصيطبه." أما في أمسيات الاربعاء لدرسِ كلمة الله,ِ فكان دأبنا الذهاب الى بيوت الاخوه في رأس بيروت , وفي مقدمتهم بيت الاحباء ابو عزيز وام عزيز عطوي والعائلة الكريمة. الذين كانوا بعد ان فتحوا قلوبهم للرب فتحوا ابواب بيتهم لخدمته ايضا.

هكذا استمرينا في عبادة الرب وخدمته المتواضعة, من زيارات تبشيرية ومباحثات كتابية, مدة سنتين وتزيد. في هذه الأثناء حاولنا ان نكسرَ خبزا في الكنيسة فلم نجد الى ذلكَ سبيلا. فان الانجيليةَ المعمدانيةَ في لبنان تختلفُ عما عرفنا عنها أخيرا في اميركا. فإن مائدة الرب المعمدانية في لبنان لها ترتيبها الكتابي. فهي مغلقة بالنسبة الى الذين ما يزالون دون معمودية الراشدين. ونحن الاعضاء الجدد كنا ما نزالُ في دور البحثِ عن الحق المكتوب. فإن صوت الروح القدس من خلال كلمته كان لنا: لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب.(1كو6:4). لذلك فقد قررنا اخيرا ان لا نكسرَ خبزا إلى ما بعد انضمامنا بواسطة معمودية الماء الى الكنيسة (اع 37:2-42).

الذي دفعنا بالإسراعِ أخيراً لإجراء المعمودية, هو انني كنت أتحدث يوماً مع أخي الصيدلي وهو أكبرنا, عن محبة الرب وخلاصه المجاني بينما كان يجهزُ دواءً لمريضٍ في قاعة الصيدلية, وإذا بي فجأةً أرى أخي يطرح الدواءَ في سلة المهملات. فسألته بدهشةٍ: ماذا فعلتَ يا اخي؟ فأجابنيي: لقد تلهيتُ بالحديثِ معك. فلم اضع عناصرَ"الوصفة" بالترتيبِ المعيَّن لها ففسدت. فهي الآن لا تصلحُ لان تكونَ دواءٌ, وسوفَ أعيدُ ما فعلته مرة اخرى.

هذه الوصفة من العناصر الطبيعيَّة وكلمات أخي بضرورةِ ترتيبها في الصيدلية لفتت نظري بشكل خاص. فإن الله سبحانه لم يَقصِر ترتيبه على عناصر الطبيعة المادية الأولى فحسب , بل شمل في ذلك وبشكلٍ أدق, عناصر الطبيعة الثانية الروحية الابدية بقوله : "اذهبوا الى العالم اجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها من آمن"-أولاً-"واعتمد"-ثانيا-خلص. ومن لا يؤمن يُدَن"(مر16:16).وقوله ايضا:"فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم"-أولاً. "وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس"-ثانيا. "وعلموهم ان يحفظوا جميع ما اوصيتكم به" ثالثًا. رابعًا وأخيًرا :"وها انا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر آمين" (مت 16:28-20).

هذه هي الوصفة الإلهية المتسلسلة المفيدة (Prescreption) التي رسمها الرب الإله قبل الخليقة لخلاص البشر. كما وضع لها ترتيبًا زمنيًا خاصًا لتنفيذها. أولاً: الايمان وطلب الخلاص. التوبة عن الخطايا. أي قبول معمودية الروح القدس. ثانياً: معمودية الماء. ثالثاً: الانضمام الى جسد الرب. رابعاً: المثابرة على تعليم الرسل وكسر الخبز. والتسبيح مع المسبحين لله. (اقرأ اع 37:2-42) وهذا ما كان موضوع تأملنا في ذلك المساء, فأقنعنا روح الرب من كلمته بمعمودية الماء.

معمودية الماء والانضمام الى الكنيسة.

في الاحد الاخير من شهر آب من سنة (1946),وبعد ان انتهت الحرب الكونية الثانية, قادنا روح الرب للانضمام الى جسد الرب بواسطة معمودية الماء. أعني بذلك, أن نُدفنَ مع الرب , ونقوم ايضا معه الى حياةٍ جديدةٍ أفضل. نعيشها بالشركة مع الروح القدس ومع الآب وابنه يسوع المسيح (يو23:14)كما يحق لإنجيل المسيح. وقد جرى هذا الدفن, وهذه القيامة, في مياه الكنيسة المعمدانية في رأس بيروت. أجراها راعينا المحبوب القس سعيد جريديني راعي الكنيسة الاولى في لبنان. وقد شجعنا الرب كثيرا بانضمامنا الى هذا الرعيل الاول بقوله : "لاتخف ايها القطيع الصغير لان اباكم سرَّ بان يعطيكم ملكوت السموات".

وهكذا ابتدأت هذه الشعلة ,المؤلفة من عشرين عضوا, في توسيع تخوم الكنيسة المعمدانية من جديد, وفي مقدمتها"المعلم سليم الشاروق مع تلميذه جورج رشيد خوري" مستعينة بالرب ومضرمة النار المقدسة في ربوع لبنان والبلاد العربية. منادية بانجيل الخلاص على الطريقة الانجيلية النقية. وكان عمر العمل الانجيلي المعمداني اللبناني آنذاك 49 سنة.

هذا وقد شجعنا الرب بمجيء القس المحبوب الياس الصليبي. بعد ذلك القس فنلي كراهم وزوجته سنة (1948) من فلسطين. وقد تسلم القس الياس الصليبي رعاية الكنيسة خلفا للقس سعيد الجريديني الذي بات متقدما في السن ومتقاعدا في بيته, الى ان انتقل الى سيده عن عمرٍ يناهزُ التسعين عاما وخدمةٍ ملؤها المحبة والنشاط. وقد استخدمه الرب في تأسيس هذه الخدمة الإنجيلية المعمدانية. التي كانت ولم تزل بركة لنفوسِ كثيرينَ في لبنان والبلاد العربية. مع إعطاء المجد لله.

مختصر ما نقرأه عن حياة هذا القس الفاضل سعيد الجريديني

في سنة (1893)سافر الى الولايات المتحدة الاميركية الشاب اللبناني الملحد, سعيد الجريديني من بلدة الشويفات بالقرب من مدينة بيروت-لبنان. ذلك للإستفادة من خبرة الاميركيين في فن التصوير. فانه مصور, ويجيد اللغة الانكليزية, وهو يملك محترفا للتصوير في محلة باب ادريس- بيروت لبنان. وبعد ان اتهى عمله في شيكاغو حيث المعرض, الذي جاء لأجله من لبنان, دعاه احد معارفه الاميركيين في المؤتمر, لزيارته في سان لويس-ولاية ميسوري. وهناك في سان لويس عاد الصديق مع زوجته لدعوته الىحضور اجتماعٍ في الكنيسة الانجيلية المعمدانية, وكان الاجتماع مؤثرا للغاية. فتأثر سعيد جدا وبكى. ففي نهاية الإجتماع, عند دعوة الحاضرين لتسليم نفوسهم للمسيح, وقف سعيد الجريديني مع الذين وقفوا وسلم نفسه وحياته للرب يسوع المسيح, وكان صادقاً.

بعد ان انهى زياراته في الولايات المتحدة الاميركية ورجع الى لبنان,كان انساناً جديداً مؤمناً بالله ضليعاً في الكتاب المقدس عارفاً طريق الرب غيوراً على الخدمة وتبشير الآخرين. فجعل من مكان عمله وبيته منبرا للوعظ والتبشر ودراسة كلمة الرب. وقد بقيت علاقاته مع الكنيسة المعمدانية الاميركية في سان لويس-ميسوري, قوية. وفي احد الايام جاء من هذه الكنيسة اخوة مسؤولون لزيارة لبنان, و عندما رأوا العمل الذي يقوم به سعيد جريديني ونشاطه في خدمة الرب, رسموه قسًّا لهذه الخدمة ومضوا.

ولما ضاق محترفه بالحضور نقل اجتماعه الى بيت خاص استأجره لهذه لغاية في رأس بيروت. هو المكان القديم الذي بني عليه مستشفى ربيز فيما بعد. بعد ذلك غادر القس سعيد الجريديني لبنان الى الخارج. وما كان الا ان ابتدأت الخدمة من جديد في رأس بيروت, باشراف القس المحامي نجيب خلف مع بعض الاخوة الناشطين من الكنيسة. إلا إنها كانت خدمة ضعيفة الى ان انتهت الحرب سنة 1918.اما القس سعيد الجريديني وقد انتهت الحرب وقدم من الخارج الى لبنان, لم يفتر عن القيامِ في خدماته النشيطة المعهودة. فانتقل بعد مدة قصيرة الى مكان آخر, هوشارع جان دارك, تجاه الجامعه الاميركية –رأس بيروت. وقد استأنف خدماته بمساعدة القس خلف وبعض الاخوة, التي كانت لخير الكثيرين في لبنان والبلاد العربية. ومنهم نحن الأعضاء الستة. الذين عندما حان الوقت سلمنا نفوسنا للرب يسوع المسيح ,كما ذكرت اعلاه. وكان لنا شرف المعمودية وبركتها على يد هذا القس الغيور, سعيد الجريديني, والمشاركة معه في خدمة الرب طيلت خمس سنوات كاملة في ذلك المكان عينه. ولسبب كبر سنه ترك رعاية الكنيسة سنة 1949, وانتقل الى بلدته الشويفات. من ثم في سنة 1952انتقل القس سعيد جريديني من هناك الى جوار ربه. الذي احبه وخدمه من كل قلبه وروحه. فالشكر اولا وآخرا هو للرب الذي منه وبه وله كل الاشياء له المجد في كنيسته من الآن والى ابد الدهور.

جورج رشيد خوري

__________

عزيزي القارئ : ان المسيح الحي المقام من الاموات لا يزال يُخَلّص كل من يؤمن به . استجر به حالاً تائباً من كل قلبك يسمعك وينقذك من قصاص خطاياك ويعفيك من الدينونة الرهيبة ومن غضب الله في العذاب الابدي والطرح في جهنّم النار، يكتب اسمك في كتاب الحياة ويجعلك مقبولاً لدى الله بالبر والتقوى . ان السيد المسيح يعرض نفسه عليك الآن ليُخلّصك من عبودية خطاياك والقصاص المتوجب عليها . فهل تستجيب له وتتبعه قبل فوات الاوان ؟ واذا اختبرت خلاص الرب شخصياً واردت ان تخبّر به اكتب لنا

Back